مرحبا بكم في الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور على محيي الدين القره داغي ..... ثالثاً : الأسواق المالية (البورصة) في ميزان الفقه الإِسلامي
الموقع الإلكتروني الرسمي
فضيلة أ.د على محيي الدين القره داغي


التصويت

ما رأيك في التصميم للموقع
 

English Articles

Bioethics seminar adopts Qaradaghi’s proposal linking them to Shariah purposes

A bioethics seminar has recently adopted the proposal by IUMS Secretary General Dr. Ali Al-Qaradaghi linking the general principles of medical and biological ethics to the objectives of Shariah instead of the prevailing four principles.

 
Protecting the environment, inspired by faith

Interfaith leaders highlighted the important link between faith and good environmental stewardship at a seminar in the Qatar National Convention Centre. The seminar was presented by Muslim and Christian leaders, a leader from the Brahma Kumaris spiritual tradition and a scientific researcher from the Gulf Organisation for Research and Development.

 
Alqaradaghi: Objective journalism facing new challenges

Journalism is a noble profession and objective journalism is facing new challenges in the region, said Dr. Ali Muhiyudeen Alquradagi, the General Secretary of the International Islamic Scholars’ Union.



..... ثالثاً : الأسواق المالية (البورصة) في ميزان الفقه الإِسلامي PDF طباعة
بحوث في الاقتصاد الاسلامي
الأحد, 12 تموز 2009 07:57

 

 

الأسواق المالية (البورصة) في ميزان الفقه الإِسلامي


تـمـهـيـد:

أولى الإِسلام عناية منقطعة النظير بالحضارة والتقدم، والرقي، والتمدن، وترك البداوة[1]، وحثّ على النشاط المالي وتوفير الرفاهية والغنى للجميع، ولذلك منّ الله تعالى على قريش بأن سهل لهم الوصول إلى أهم الأسواق في عصرهم، ووفر لهم نعمة أمن الطريق، حيث يقول: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}[2].

فقد منّ الله عليهم بنعمة توفير الرحلات التجارية التي يترتب عليها الغنى، كما منّ عليهم بنعمة الأمن الذي هو الأساس لكل ازدهار اقتصادي، وبنعمة الأمن الغذائي الذي هو العنصر الأساسي في الاستقرار النفسي.

بل إن الإِسلام بذل مجهودًا كبيرًا لإِزالة الأوهام المستقرة في نفوس العرب حول الأسواق والأعمال التجارية، حيث كانوا يظنون أنها لا تتناسب مع هيبة الأنبياء والقادة والرؤساء، فنزلت الايات القرآنية لتدفع هذا الوهم، ولتبين بكل وضوح أن جميع الرسل كانوا يدخلون في الأسواق، فقال تعالى: {وَقَالُواْ مَا لِهَـذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}[3].

فرد الله عليهم بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}[4].

فصحح النظرة إلى السوق بأنها لا تتنافى مع الهيبة، ولا تتعارض مع الرسالة والنبوة، والشرف والرفعة، والعزة والمكانة.

كما أن استعمال القرآن لـ: «السوق» بمعناها المعروف، وبمعنى ساق الشيء، وما يقوم عليه الشيء لمشعر بأهمية السوق للمجتمع، فكما أن الحيوان يقوم على ساقه، كذلك الاقتصاد يقوم على سوقه حيث يقول: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ}[5]، وقال: {فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ...}[6].

فالأسواق المالية المنظمة المتطورة عنوان الحضارة والتقدم، وبقدر تطورها يكون تطور الحياة التجارية، والصناعية، والاقتصادية التي لا تستغني عنها المجتمعات المتقدمة؛ ولذلك أولى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم عنايته بالسوق، لكنه أراد أن يصوغها صياغة إسلامية قائمة على الأمانة والثقة والعفة والتقوى، وأن تكون عنوان «بيع المسلم من المسلم»[7]، أي: لا غش فيه ولا خداع...

كما أولى الخلفاء الراشدون عنايتهم ببناء الأمصار، وازدهار أسواقها، وبرعايتها وتعيين المحتسبين عليها، حتى أصبحت مراكز حضارية ووسائل للتنمية المالية في العالم الإِسلامي.

لذلك فإن العناية بأمر هذه الأسواق هي من تمام إقامة الواجب في حفظ المال، وتنميته باعتبار ذلك أحد مقاصد الشريعة، وباعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة، وأداء ما في المال من حقوق دينية أو دنيوية[8].

وفي عصرنا الحاضر تطورت الأسواق المالية، وازدهرت آلياتها ازدهارًا رائعًا، وأدخلت فيها أنظمة متقدمة جدًا من حيث الربط والاتصال، وربطت بالعالم أجمع من خلال (الكمبيوترات) فأصبحتْ حلقاتِ الوصلِ في التجارة الدولية والتصدير والاستيراد، فلم تعد تقتصر على (سوق الإِصدارات) بل تشمل الأسواق الثانوية، وتوفير السيولة، وتوظيف المال وغير ذلك من الأعمال والتجارة الدولية.

ولكن الأسواق المالية ــ بوضعها الحالي ــ ليست الأنموذج الذي تنشده الشريعة الإِسلامية لتحقيق الكسب الحلال، واستثمار المال، وتنمية المدخرات بشكل يحقق الحلال الطيب، لذلك يتطلب الأمر من أولي العلم الثقات أن يعنوا بدراستها دراسة جادة جيدة للوصول إلى صورة متكاملة لسوق مالية إسلامية تتوفر فيها الشروط والضوابط الشرعية، وتقوم على الأسس والقواعد الشرعية.

فعالمنا الإِسلامي بأمس الحاجة إلى أسواق مالية إسلامية نظرًا لسعة أطرافها، وما حباها الله تعالى بمواد خام، وثروات معدنية، وكثرة أفرادها حتى تكون منافعهم لهم، إضافة إلى حاجة المصارف الإِسلامية إليها حاجة ماسة.

فالأمل كبير بالله تعالى في أن يوفق مجمع الفقه الإِسلامي لإِيجاد حلول بناءة لهذه القضية، ويصل إلى فكرة متكاملة لسوق تبنى على شرع الله تعالى، وتجمع بين ثوابت الشرع ووسائل التقدم والتطور الذي يشهده عصرنا الحاضر.

ويشرفنا أن نشارك في إثراء هذا الموضوع المهم بجهد وإن كان متواضعًا، وأحاول أن يكون منهجي قائمًا على التأصيل الفقهي، والتقعيد، بحيث يكون رجوعي أولاً إلى الكتاب والسنة، ثم إلى أقوال الفقهاء لأجد للأمور المستحدثة دليلاً شرعيًّا، أو قياسًا فقهيًّا، أو اجتهادًا لأحد سلفنا الصالح، فإن وجدت ذلك فبها ونعمت، حيث يكون دوري الترجيح فقط، وإلا فأبحث عن مدى موافقة هذا العقد الجديد للقواعد العامة، وعدم مخالفته للنصوص الشرعية.

وقد بدأت في بحثي بالتعريف بالأسواق المالية، ونبذة تاريخية لها، والتكييف الشرعي للأسواق المالية، ثم أسهبت في أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية، وهي الأسهم والسندات، والخيارات والمستقبليات حيث فصلت فيها تفصيلاً في أنواع كل واحدة منها، وحكمها الشرعي، وقد بذلت أقصى طاقتي لإِيجاد البدائل الإِسلامية المشرعة، وذكرها.

والله أسأل أن يعصمني من الخطأ والزلل في القول والعمل، وأن يجعل أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير.

 

 

التعريف بالأسواق المالية لغة واصطلاحًا :

  تطلق كلمة «السوق» في اللغة ويراد بها: موضع البياعات، قال ابن سيده: السوق التي يتعامل فيها، تذكر وتؤنث. ولها معانٍ أخرى[9]. وجاء بهذا المعنى قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا لِهَـذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}[10]، وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً}[11]. والأسواق جمع السوق، وهي موضع البياعات والتعامل.

وورد لفظ «السوق» و «الأسواق» في السنة المشرفة كثيرًا حتى خصص بعض أصحاب الصحاح والسنن بابًا خاصًا بالسوق، بل ذكر البخاري أربعة أبواب لها، ترجم الأول: باب ما ذكر في الأسواق. وأورد فيه عدة آثار وأحاديث فذكر: قال عبد الرحمن بن عوف: لما قدمنا المدينة، قلت: هل من سوق فيه تجارة؟ فقال: سوق قينقاع... وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق. ثم روى بسنده عن أنس بن مالك قال: «كان النبـي صلى الله عليه وسلّم في السوق فقال رجل: يا أبا القاسم...». وعن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «صلاة أحدكم في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعًا وعشرين درجة...»، وترجم الثاني: باب كراهية السخب في الأسواق ــ أي رفع الصوت بالخصام. وترجم بابًا ثالثًا: باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايع بها الناس في الإِسلام، ثم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت عكاظ، ومَجَنَّة، وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإِسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ...}. قال ابن بطال: «فقه هذه الترجمة أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعـل الطاعة فيها...»[12]، وأورد بـابًا رابـعًا ترجم لـه: بـاب التجـارة أيـام الموسم، والبيع في أسواق الجاهلية، وأورد فيه حديث ابن عباس السابق بلفظ: «كان ذو المجاز، وعكاظ متجر الناس في الجاهلية...»[13].

والمال لغة هي كما يقول ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وذكر الفيروز آبادي أن المال يطلق على كل ما ملكته من كل شيء وأصله من مال الرجل يمول، ويمال مولاً إذا صار ذا مال[14].

وقد ثار خلاف بين الفقهاء في تعريف المال، فعرفه الحنفية بأنه عين يجري التنافس والابتذال به، حيث خصصوا المال بالأعيان دون المنافع، كما أنهم عمموه للمال المباح، والمحرم، وأما عند الجمهور فهو عام للأعيان والمنافع لكنه لا يشمل المحرمات لعينها كالخمر والخنزير[15].

فالأسواق المالية أو (البورصات) هي الأماكن الخاصة التي تخص للنشاطات التجارية الخاصة بالصرف، والنقد، والأسهم، والسندات، والأوراق التجارية وشهادات الودائع، ونحوها، بالإِضافة إلى عقود السلع بين المنتجين والتجار[16].

والبورصة كلمة أجنبية تعني كيس النقود، أو هي اسم للرجل الذي كان يعقد في مجلسهِ صفقات النقود[17].

 

نبذة تاريخية :

بما أن المال في اللغة عام للنقود والعروض (الموجودات المالية) فإن أسواقه، أو الأسواق المالية في عصرنا الحاضر لا يختلف مفهومها عن مفهومها في السابق، لكنها تطورت من أسواق أَوَّلِيَّةٍ عادية للبضائع إلى أسواق ثانوية متطورة يغلب فيها العناية بالبيع والشراء والعملات، والأسهم والودائع والسندات.

كانت الأسواق موجودة منذ التاريخ السحيق، منذ أن تكونت المجتمعات المدنية واحتاجت إلى التداول والمقايضة والمبادلة؛ حيث كان الناس من خلالها يحصلون على حاجياتهم ويتبادلون فيها الأموال، لكنها تطورت في القرون الأخيرة؛ حيث ظهرت منذ القرن السادس عشر الميلادي كظاهرة حديثة يتم فيها بصورة عامة تبادل سندات التحويل، والسندات لامر، والسندات التجارية وغير ذلك.

وقد ازداد عدد الأسواق المالية في العالم وازداد نشاطها، ويصل عددها في أمريكا أربع عشرة بورصة، أهمها بورصة نيويورك التي تقدر قيمة الأسهم فيها بحوالي 1500 مليار دولار. وفي بريطانيا اندمجت كل الأسواق المالية منذ عام 1973 في جهاز واحد وهو بورصة لندن التي تقدر قيمة الأسهم فيها بمليار دولار. وفي اليابان تعمل ثماني بورصات، وأهما بورصة طوكيو حيث تستأثر بـ 75  من مجموع المضاربات في اليابان، والتي تقدر قيمة أسهمها بأكثر من مليارين من الدولارات. وفي ألمانيا توجد ثماني بورصات تقع بورصة فرانكفورت في مقدمتها حيث تحقق 44  من مجمل الأعمال. وفي فرنسا توجد سبع بورصات أهمها بورصة باريس. وفي سويسرا أيضًا سبع بورصات أهمها بورصات جنيف، وبال، وزيوريخ[18] وهكذا...

 

التكييف الشرعي للأسواق المالية :

إن فكرة الأسواق المالية ــ من حيث المبدأ ــ تدخل تحت قاعدة المصالح المرسلة، والتنظيمات التي تعتبر من صلاحيات أولي أمر المسلمين، وهي بلا شك تساعد على تطوير الأعمال التجارية والاقتصادية التي هي شريان الحياة لكل المجتمعات المتقدمة، ولذلك عبر الله عن المال بأنه قيام للمجتمع لا ينهض ولا يقوم إلا به: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}[19].

وقد اشتهرت أمور المال والإِشراف عليه منذ الصدر الأول بالحسبة، جاء في السيرة الحلبية: «أن هذه الولاية تعرف بالحسبة، وموليها بالمحتسب»[20]. وفي التيسير لابن سعيد: «اعلم أن الحسبة من أعظم الخطط الدينية، فلعموم مصلحتها، وعظيم منفعتها تولى أمرها الخلفاء الراشدون، ولم يكلوا أمرها إلى غيرهم مع ما كانوا فيه من شغل الجهاد، وتجهيز الجيوش...»[21].

وقد اعتبر حاجي خليفة هذه الولاية علمًا خاصًا فقال: «علم الاحتساب علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم اللاتي لا يتم التمدن بدونها من حيث إجراؤها على  القانون المعد حيث يتم التراضي بين المتعاملين وعلى سياسة العباد بنهي المنكر، وأمر بالمعروف بحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد، بحيث ما رآه الخليفة من الزجر والمنع»، ثم قال: «ومبادؤه بعضها فقهي، وبعضها أمور استحسانية ناشئة من رأي الخليفة، والغرض منه تحصيل الملكة في تلك الأمور، وفائدته إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم، وهذا أدق العلوم، ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب؛ إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة، بل لا بد لكل واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصة، وذلك من أصعب الأمور، فلذلك لا يليق بمنصبها إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب...»[22].

وعلى ضوء ذلك فالأسواق المالية ــ من حيث المبدأ ــ من الأمور التي يسعى لتحقيقها الإِسلام لكنه يضع لها الشروط والضوابط حتى لا تتنافى مع مبادئه وقواعده العامة، فهي بلا شك من المصالح النافعة، والتنظيمات المفيدة التي أخذ بأمثالها الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم.

وإذا كانت الأسواق المالية اليوم لا تحقق المقاصد التي يتوخاها الإِسلام فإن هذا لا يعني إغفالها، وتركها وشأنها، أو الحكم على ما فيها حكمًا مطلقًا بالتحريم، وإنما الأمانة تقتضي أن نبحث عن كل تفصيلاتها وجزئياتها، ونحكم من خلال تصور دقيق لكل جزئياتها، ونبذل كل ما في وسعنا، ونستفرغ كل جهدنا للوصول إلى بديل إسلامي يجمع بين الأصالة والتجديد والتطوير.

فالأسواق المالية تشمل عدة أمور، فلها أنظمتها الإِدارية والإِجرائية المتطورة، وهذا الجانب يدخل ضمن المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية التي تعطي الحق لولي الأمر إلزام الناس بنوع من التنظيمات ما دامت لا تتعارض مع النصوص الشرعية الثابتة الخالية من معارض.

وبالإِضافة إلى هذا الجانب، فإن هناك مهامًّا وأعمالاً تجري في الأسواق المالية لأداء دور الوساطة، أو السمسرة، أو الخدمات الإِعلامية، والكتابية، أو الوكالة، أو القرض، أو الصرف فهذه التصرفات تطبق عليها الأحكام الشرعية الخاصة بكل تصرف أو عقد[23].

 

الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية :

لكن أهم الأدوات المستخدمة في الأسواق المالية هي: الأسهم والسندات، والخيارات، والمستقبليات، إضافة إلى عمليات الصرف، والسلع، والصيغ الجارية للعقود.

وسنخصص هذا البحث لدراسة هذه الأمور حسب الخطة التي وضعها المجمع الفقهي الموقر، دون الخوض في أمور أخرى؛ لنصل إلى نتائج محددة بإذن الله تعالى.

 

الأسهم والسندات[24] والتعامل بها عن طريق الأسواق المالية (البورصة) :

  لا يجوز التعامل بالسندات المالية (التي هي قروض بفوائد)، لا عن طريق الأسواق المالية (البورصة) ولا عن طريق غيرها، كما سيأتي في بحث السندات وبدائلها.

وأما الأسهم التي لا تزاول شركاتها نشاطًا محرمًا، وليس لها امتياز مالي ــ كما سيأتي تفصيله في بحث الأسهم ــ فحكم التعامل بها وتداولها عن طريق البورصة على التفصيل الاتي، حيث نذكر أولاً أنواع العمليات، ثم نذكر كيفية البيع والشراء من حيث الدفع.

 

أولاً: أنواع العمليات في البورصة :

 1 ــ العمليات العاجلة: وهـي التـي تتـم فـي سـوق العـاجـل؛ وذلـك بـأن يـلتـزم كـل مـن العاقدين بتنفيذ عقودهما، ويسلم البائع الأوراق المالية، والمشتـري ثمنها حالاً، أو في مدة لا تتجاوز 48 ساعة، وحينئذ يحتفظ المشتري بها، ويستفيد مـن أرباحها، ويتحمل خسارتها كذلك، وتقوم السوق (البورصـة) بإتمام الصفقة بصفـة الوكيل عـن الطرفين ويرسل الأوراق للطرفين للتوقيـع عليها.

فـالتعـامل بالأسهـم بهـذه الطريقـة حلال ــ مـا دامت بقيـة الشـروط والضوابط التي يفرضها الشرع متوافرة[25]، ولكن المشتري الجديد لا يبيع أسهمه إلا بعد استقرار ملكه عليها من خلال القبض حتى ولو كـان حكميًّا[26] مـا دامت الأسهم تمثـل السلـع ــ أي غير النقود والديون والطعام.

والخلاصة إذا كان البيع حالاًّ وباتًا، ولم يكن قائمًا على الاختيارات ــ كما ستأتي ــ ولم يكن فيه محظور شرعي آخر فإن هذه المعاملة عن طريق البورصة أيضًا جائز، وكذلك التعامل في هذه الأسهم جائز بعد استقرار الملك فيها، ولكن دون أن يكون العقد الثاني على أساس ما تسميه البورصة بالمضاربة وهي تعنى بها: عملية بيع وشراء صوريين، حيث تباع العقود، وتنتقل من يد إلى يد، وغاية العاقدين الاستفادة من فروق الأسعار[27]، بينما المضاربة في الفقه الإِسلامي معروفة تعني العمل من جانب، والمال من جانب آخر.

 

2 ــ العمليات الاجلة: وهي التي يلتزم بمقتضاها العاقدان على تصفيتها في تاريخ آجل معين يتم فيـه التسليم والتسلم، وقـد يتفقـان على تأجيل خاص وشـروطه وكيفية التعويض.

وتجري الصفقة في كل شهر مرة فتسوى الصفقات نهائيًّا، ويتم دفع الثمن وتسلم الأوراق المالية خلال عدة أيام من تاريخ التصفية[28] ، ثم إن هذه العمليات الاجلة تتم على إحدى الصور الاتية:

 (أ) العمليات الباتة القطعية:

وهي التي يحدد تنفيذها بموعد ثابت لاحق ويسمى موعد التصفية، الذي يدفع فيه الثمن، وتسلم فيه الأوراق المالية موضع الصفقة، وتسمى: الباتة لأن العاقدين ليس لهم حق الرجوع في تنفيذ العملية، ولكن لهم الحق في تأجيل موعد التصفية النهائية إلى موعد آخر.

وتنفيذ هذا النوع يؤدي بلا شك إلى خسارة أحد الطرفين إلا إذا كان سعر الأسهم (أو غيرها) معادلاً لسعر البيع نفسه، ففي الغالب يخسر أحد الطرفين، والاخر يربح حسب زيادة سعرها، أو نقصه عند التصفية، فلا كسب لأحدهما إلا على حساب الاخر.

وقد يشترط المشتري وحده خيار التنازل لنفسه عن حق الاجل فيلجأ إليه عندما يلاحظ هبوط سعر تلك الأسهم، وحينئذ يطلب من البائع تسليم الأوراق المالية المتفق عليها، وحينئذ يضطر البائع لشرائها من السـوق بسعـر العـاجـل، وحينئـذ يحـق للمشتـري أن يبيعهـا قبـل مـوعـد التصفيـة عن طريق وسيـط، ويسجـل رصيـد العمليـة إذا اقتـرنت بربـح فـي رصيد دائن[29].

وهذا النوع من العمليات كما رأينا لم يتم فيه تسليم المعقود عليه، لا الثمن ولا المثمن، بل اشتراط تأجيلهما، فعلى ضوء ذلك لا يجوز، لأنه من الضروري لصحة العقود أن يتم فيها تسليم أحد العوضين ــ كما هو معروف ــ أو لا يشترط تأجيل الاثنين.

وذهب أحد الباحثين[30] إلى صحة هذا النوع ما دامت الأوراق المالية جائزة التعامل فيها، ويملك المشتري المبيع، والبائع الثمن، حيث يكون ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان.

وقد استند في قوله هذا على ما جاء في الموسوعة الفقهية، حيث تقول: «ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع، أو الثمن كونهما ديونًا ثابتة في الذمة إذا لم يكونا من الأعيان...»[31].

غير أن كلام الموسوعة في «الدَّين» الذي هو مقابل للعين، وهو مصطلح فقهي لا يعني التأجيل، وإنما يعني به: ما لا يتعين بالتعيين، ولذلك أوردت الموسوعة مثالاً بعد هذا الكلام مباشرة فقالت: «كما لو اشترى مقدارًا معلومًا من كمية معينة من الأرز، فإن حصته من تلك الكمية لا تتعين إلا بعد التسليم، وكذلك الثمن إذا كان دينًا في الذمة، «فليس في الموسوعة أية إشارة إلى جواز عقد يشترط فيه تأجيل الثمن والمثمن إلى وقت التصفية».

ثم استند الباحث على ما أجازه المالكية والحنابلة من جواز اشتراط تأجيل الحق إلى مدة، اعتمادًا على حديث جابر[32].

ولكن هؤلاء الفقهاء لم يقولوا ــ حسب علمنا ــ بجواز اشتراط تأجيل الثمن والمثمن معًا، وهذا هو محل النزاع، بل إن المالكية أنفسهم صرحوا بأنه لا يجوز بيع الدين إلا إذا كان الثمن نقدًا، وأجازوا للحاجة تأخير رأس مال السلم ثلاثة أيام فقط[33]، أما الحنابلة فقد اشترطوا قبض الثمن في المجلس[34].

ثم إننا لا نسلم اعتبار الباحث الأسهم من الديون التي لا تتعين بالتعيين، وإنما التحقيق أنها معتبرة بما تمثله من أصول الشركة فهي حصص مشاعة من موجودات الشركة ومعتبرة بها دينًا وعينًا.

لذلك فالذي نرى رجحانه هو عدم جواز شراء الأسهم وغيرها عن طريق العمليات الباتة القطعية، وذلك لاشتراط تأجيل التسلم والتسليم إلى وقت مستقبلي، إضافة إلى أن هذا الوقت وإن كان قد حدد لكن إعطاء الحق للعاقدين في صلب العقد تأجيل موعد التصفية إلى موعد آخر ــ جعل المدة مجهولة غير محددة ولا معلومة.

ولذلك دخلت فيه الجهالة من أوسع أبوابها، فيدخل في باب الغرر المنهي عنه في الحديث الصحيح[35].

ثم إن هذا النوع فيه أضرار بأحد الطرفين ــ في الغالب كما سبق ــ حيث لا يكسب أحدهما الربح إلا على حساب الاخر، مما فيه رائحة القمار وشبهته بوضوح، إضافة إلى خيار التنازل وما يترتب عليه، حيث يعطي للمشتري حق المطالبة بالتعجيل.

هذا إذا كانت الأسهم (أو البضاعة) موجودة فعلاً، فيرد على كيفية التعاقـد عن طريـق هـذا النـوع مـا سبق، أمـا إذا كانـت غيـر موجودة فعلاً، وإنما سوف يمتلكها البائع في المستقبل فهذا يدخل في بيع المعدوم الذي لا يحل شرعًا بالإِجماع، كما نقل ذلك ابن المنذر والنووي وغيرهما[36] اعتمادًا على الحديث الثابت: «لا تبع ما ليس عندك»[37] وهذا النوع هو الغالب في مثل هذه الصفقات الاجلة.

 

البدائل الشرعية: لهذه العملية بدائل شرعية تحقق الغرض المقصود والمعقول العادل وهي:

البديل الأول: السلم، وهو بيع الموصوف بالذمة بثمن حال، وأجازه المالكية، أن يؤدي خلال ثلاثة أيام، وأما المسلم فيه فيكون مؤجلاً لأجل معلوم، وبمواصفات محددة[38].

البديل الثاني: تأجيل الثمن مقسطًا أم بدون تقسيط (أي البيع الاجل) ودليل مشروعيته الحديث الصحيح الدال على أن النبـي صلى الله عليه وسلّم «اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعه»[39]، وقد أجمعت الأمة على جواز ذلك[40].

البديل الثالث: الاستصناع، وهو أن يطلب شخص من الصانع أن يصنع له شيئًا بثمن معلوم[41]. وقال ابن عابدين: «هو بيع عين موصوفة في الذمة لا بيع عمل»[42].

وهو عقد مستقل عند الحنفية، أما غيرهم ــ من المالكية والشافعية والحنابلة[43]، فلم يعترفوا بع كعقد مستقل، بل أدخلوا بعـض مسـائلـه فـي السلـم، ورفضـوا بعضهـا الاخـر. (ليـس هـذا مجـال تفصيله).

فهذه البدائل تحل معظم الحالات التي فيها تأجيل للثمن والمثمن، ولكليهما، فالسلم يحل مشاكل السلع والأشياء غير الموجود والتي ستسلم فيما بعد لكن الثمن فيه حال، أو إلى ثلاثة أيام.

وبيع الأجل يحل مشكلة ما إذا كان الثمن غير متوفر ولكن البضاعة متوفرة.

وأما عقد الاستصناع فيحل لنا المشكلة بشكل أكبر حيث لا يشترط فيه تعجيل الثمن ولا المثمن، حيث يكيف بأنه عقد خاص فيه بعض مواصفات البيع، وبعض مواصفات الإِجارة[44].

ويمكن أن تصدر بهذه العقود شهادات وصكوك توصل فيها الشروط والضوابط.

 

(ب) العمليات الاجلة بشرط التعويض: وهي أن يلتزم البائع والمشتري بتصفية العمليات التي تمت بينهما آجلاً، في تاريخ معين، لكن يشترط أحدهما لنفسه الخيار في عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن مبلغ من المال يتم عليه الاتفاق مسبقًا ليكون بمثابة تعويض عن عدم تنفيذ العملية.

ويسمى اليوم السابق لتاريخ التصفية بيوم جواب الشرط فإما أن ينفذ من له الخيار الصفقة، فيرفع عنه التعويض، أو لا فينفذ التعويض، وتتضمن هـذه العمليـات ثلاثـة عناصر مهمة هـي السعر، ومقـدار التعويض، وأجـل التصفية وهي نوعان:

1 ــ العمليات الشرطية للمشتري، حيث يكون مخيرًا بين استلام الصكوك، وبين التخلي عن التعويض.

2 ــ العمليات الشرطية للبائع، حيث يحق له في يوم جواب الشرط تنفيذ الصفقة، أو التنازل عن تنفيذها مقابل دفع تعويض متفق عليه مسبقًا[45].


وحكم هذا النوع مثل النوع السابق في أن العقد لم يتم من الناحية الشرعية، لأنه لم يتم فيه التسلم لا للثمن، ولا للمثمـن، بل اشترط فيه تأخير الاثنين معًا، فلذلك لا يجوز. وسبب ذلك لا يعود إلى خيار الشرط لأن ذلك جائز، وإنما إلى عدم تحقق أركان العقـد، إضافـة إلى اشتراط التنازل عن جزء من المال دون أن يربط بضرر فعلي محقق، فهذا أيضًا لا يجوز.

وذهب بعض الباحثين[46] إلى جواز هذه العملية إذا كان الخيار فيها للمشتـري، وشبههـا ببيـع العربـون[47] الـذي أجـازه الحنابلـة معتمدين على قضاء عمر[48].

وبيع العربون مختلف فيه، ولم يقل بصحته جمهور الفقهاء[49] بناءً على أنه من أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه بنصوص الايات القرآنية: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ...}[50]، واعتمادًا على نصّ خاص صريح بهذا الصدد وهو أن النبـي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع العربان[51] إضافة إلى ما فيه من غرر، لأنه بمنزلة الخيار المجهول[52].

ومع قطع النظر عن هذا الخلاف الجاري في بيع العربان، فإن مسألتنا هذه تختلف عنه كثيرًا حيث قد تم في بيع العربون تسليم المبيع، وجزء من الثمن بينما لا يتم في هذا النوع أي تسلم للمعقود عليه لا الثمن ولا المثمن إلا في فترة يتفق عليها المتعاقدان، ومن هنا فلا يدخل في بيع العربون، بل أعتقد أن قياسه عليه قياس مع الفارق، ناهيك عن هذا النوع من البيوع الاجلة قد يتم على معقود عليه لم يتحقق بعد، أما أن السوق (البورصة) لا تشترط وجود المعقود عليه أثناء العقد، وإنما المطلوب تحققه عند حلول المدة، أو دفع التعويض.

أما إذا كان الخيار للبائع فإنه لا يجوز لما سبق، حتى عند الباحث السابق لكنه ذكر أن السبب يعود إلى أنه حينئذ يدخل في صفقتين في صفقة واحدة[53].

 

(ج) البيع مع خيار الزيادة للمشتري أو البائع: حيث يكون لمن له الخيار الاستزادة عند حلول الأجل المتفق عليه، فإذا كان الخيار للمشتري يحق له طلب تسلم ضعف الأوراق المشتراة أو أكثر، لكن الشراء يعتبر باتًا في الكمية المتفق عليها مسبقًا، واختياريًّا في الزائد، وتكون أسعارها الفعلية أكثر من أسعارها في السوق الباتة، وكذلك الأمر بالنسبة لو كان الخيار للبائع، حيث يسلمه المشتري كمية من المتفق عليه، وبسعر أكثر من سعرها في السوق الباتة، وكذلك فالكل يوازن بين الأسعار الباتة، والأسعار الاجلة بشرط الزيادة، وأسعار السوق في موعد التصفية محاولاً الحصول على أكبر قدر ممكن من الربح، والتفادي من الوقوع في خسارة[54].

فحكم هذا النوع إضافة إلى عدم توفر أركان العقد فإنه يتضمن نوعًا من المغامرة التي تسمى في أعراف البورصة بالمضاربة، وذلك لأن من له حق الخيار على الزيادة، كما يُرى، بالإِضافة إلى أنه يتضمن في ظاهره بيعًا متضمنًا بوعد، بل يتضمن بيعًا آخر فيكون داخلاً في النهي عن صفقتين في صفقة واحدة[55].

 

(د) العمليات الاجلة بشرط الانتقاء: وذلك بأن يكون للبائع والمشتري حق الاختيار بين سعرين، حيث يكون لهما الحق في إبرام الصفقة في موعد التصفية بأي من السعرين، وذلك لأن المتعاملين في سوق الأوراق المالية يفتقدون حدوث تغير كبير من أسعارها صعودًا أم هبوطًا بينما يعتقد بائعو هذه الأوراق عدم طروء أي تغيير يذكر[56].

فهذه العملية بهذه الصورة لا تعتبر بيعًا في نظر الشريعة الغراء وذلك لأن من الشروط الأساسية له تحديد الثمن، إضافة إلى عدم تحقق أركان العقد، بل واشتراط تأجيل الثمن المخير والمثمن، ولا أرى لها وجهًا شرعيًّا لجوازها وصحتها.

 

(هـ، و) المرابحة، والوضيعة: هما في الفقه الإِسلامي معروفان، إذ المرابحة بيع السلعة بعد تملكها إلى شخص آخر مع إضافة نسبة من الربح، الوضيعة تعنى بيعها مع خصم نسبة معلومة من ثمنها الذي اشتريت به[57]، بينما المرابحة في (البورصة) تعني طلب تأجيل موعد تسوية الصفقة حتى موعد التصفية اللاحق، وذلك يحدث عندما يشعر المتعاملون في السوق بأنهم لا يستطيعون تنفيذ الصفقة التي عقدوها نظرًا لتطور الأسعار خلافًا لتقديراتهم، فيلجأون إلى المرابحة، والوضيعة.

فلنضـرب لذلـك مثـالاً لتوضيـح هـذه العمليـة وهو أن زيدًا ــ مثلاً ــ اشترى في 1/1/1990م مائة سهم من شركة (جنرال موتور) بسعر مائة دولار للسهم الواحد مضاربًا على ارتفاع الأسعار حتى موعد التصفية القادم في 1/1/1991م، وعندما يحين هذا الموعد يكون أمامه أحد احتمالين:

الاحتمال الأول: ارتفاع الأسعار حسب تقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية (السهم) 120 دولارًا، وحينئذ يعمد المشتري إلى تنفيذ الصفقة، لأن ربحه فيها ألفا دولار.


الاحتمال الثاني: انخفاض الأسعار خلافًا لتقديرات المشتري، كأن ينخفض سعر السهم وقت التصفية (في المثال السابق) بنسبة 25  ــ مثلاً ــ أي أنه يخسر 2500 دولار، وحينئذ يقرر المشتري تأجيل موعد التصفية إلى موعد آخر على أمل تحسن سعر الورقة المالية المعنية، لكنه يبحث عن ممول يخرجه من ورطته مقابل زيادة، فيسمى هذا العمل بالمرابحة، حيث يقبل الممول شراء الأسهم شراءً باتًا في موعد التصفية، ويبيعها له ثانية بيعًا مؤجلاً حتى موعد التصفية المقبل، وذلك لقاء فائدة يدفعها المشتري للممول تسمى فائدة التأجيل، أو المرابحة، وتتم هذه العملية بناءً على سعر للأوراق المالية تقدره لجنة السوق[58].

فعدم شرعية هذه العمليات واضحة، فلم يتوافر فيها أركان البيع، ولا البـت فيها، إضافـة إلى أنهـا عمليـة قريبـة من بيـع «العينة»، فهذه الزيادة في الواقع بمثابة قرض ربوي مقابل التأجيل[59].

وأما الوضيعة في البورصة فتعني أن البائع حينما يعرف بأنه سيخسر خسارة كبيرة حيث الأسعار قد ارتفعت، يطلب تأجيل تنفيذ الصفقة بالوضيعة، وحينئذ ينبغي عليه أن يجد متعاملاً يتملك النوع المطلوب من الأوراق المالية، فيشتريها منه، ثم يبيعها له مرة أخرى على أساس موعد التصفية التالي.

فهذه العملية أيضًا مثل سابقتها في عدم الصحة والجواز، وهي بمثابة إعارة الأوراق لقاء فائدة ربوية، أو قرض ربوي[60].

 

(ز) العمليات المركبة: وهي العمليات التي تتركب من أكثر من نوع كالاتي:

1 ــ شراء عاجل مقابل بيع بشرط التعويض (الخيار للمشتري).

2 ــ شراء بات مقابل بيع بشرط التعويض.

3 ــ شراء بشرط التعويض مقابل بيع بات.

4 ــ شراء بشرط التعويض مقابل بيع بشرط التعويض[61].

فحكم هذه العمليات المركبة عدم الصحة والجواز لما ذكرنا، إضافة إلى اشتمالها على صفقتين في صفقة واحدة، وهذا منهي عنه كما سبق.

 

ثانيًا: كيفية البيع والشراء من حيث الدفع في البورصة :

 1 ــ الشراء بكامل الثمن:

حيث يدفع المستثمر كامل قيمة الأوراق المالية التي يشتريها من البائع.

وهذا النوع ليس كثيرًا في الأسواق المالية، إذ الغالب عليها التأجيل، فالذي يجري في أكثر تلك الأسواق هو أن يفتح المستثمر حسابًا مع السمسار شبيهه بالحساب المصرفي (أي مثل الحساب الجاري في البنك) يودع فيه المستثمر القدر الذي يرغب في أن يستخدمه السمسار للشراء لصالحه، ويودع فيه السمسار ما يتحقق للمستثمر من أرباح أسهم أو فوائد سندات، أو أثمان بيع... ويستطيع صاحبه أن يسحب منه النقود متى شاء، كما للسمسار هذا الحق لشراء الأوراق المالية باسم العميل، كما يفتح له حسابًا آخر يمكن للمستثمر أن يحصل منه على قرض أتوماتيكي شبيه بالسحب على المكشوف في البنوك[62].

وحكم هذا النوع إذا كان الشراء بكامل الثمن، وكان محل العقد حلالاً ــ أي حسب الضوابط الشرعية السابقة ــ فإن العقد صحيح، لكنه إذا كان المثمن موجودًا فإنه بيع صحيح، وإذا كان موضوعًا في الذمة بالمواصفات المطلوبة في عقد السلم، فإنه سلم صحيح. وإذا كان محل العقد النقود فإنه يجب التسلم والتسليم في مجلس العقد، حسب قواعد الصرف ــ وما يعد اليوم قبضًا أم لا[63] ــ .

وأما إذا كان الثمن غير كامل فإن كان المبيع حلالاً ولم يكن من الصرف والطعام، ولم يكن فيه شرط تأجيله فإن العقد صحيح، أما الأموال الربوية فلا بد فيها من القبض، والسلم لا بد فيه من تسليم الثمن بالكامل خلال المجلس، أو ثلاثة أيام عند المالكية ــ كما سبق ــ .

 

2 ــ الشراء بجزء من الثمن، أو الشراء بالهامش:

حيث يدفع المشتري جزءًا من الثمن، ويستدين الباقي من السمسـار الذي يكـون دوره مقتـرضًا من المصارف، وتخضـع نسبـة القرض من مجمل القيمة لقوانين صارمة، ويتغير تبعًا للظروف الاقتصادية، حيث تشترط السلطات المالية أحيانًا هامشًا كبيرًا عندما ترغب في تقليل المضاربات المحمومة في السوق، قد يزيد في الولايات المتحدة الأمريكية عن 60  أي تبقى نسبة القرض 40  تقريبًا، ولكن عندما ترغب السلطات المالية في زيادة نسبة التعامل فإنها تسمح بهامش أقل (أي النقد)، لأنهـا تعطي بذلـك الفرصة لمـن لا تتـوفر لديهم مـوارد مالية كبيرة بالدخول في السوق عن طريق الاقتراض، وأكثر ما تستخدم هذه الطريقة في شراء الأسهم[64].

وهذه الطريقة لها مخاطرها الكبيرة، حيث يعتقد الكثيرون أن أحد أهم أسباب انهيار سوق البورصة عام 1929 هو التوسع في الشراء بجزء من الثمن، ولذلك شددت القوانين الأمريكية على الهامش الابتدائي[65] الذي يستخدم لأغراض المضاربات السريعة.

فمثلاً اشترى شخص مائة سهم (لإِحدى الشركات) بخمسين دولارًا ودفع للسمسار ثلاثة آلاف فقط، واقترض منه الباقي 2000 دولار بالفائدة وحينئذ يحتفظ السمسار بالأسهم رهنًا مقابل القرض، فالهامش الابتدائي هو 60  ثم انخفضت أسعارها فأصبحت 40 دولارًا للسهم الواحد أي صارت القيمة 4000، ونسبة السمسار ارتفعت إلى 50  والهامش 50 ، فإذا استمرت في الانخفاض سارع السمسار لبيعها ضمانًا لقرضه.

فهذه الصورة بهذا الواقع الربوي لا تقبلها الشريعة الغراء إذ مخالفتها لها واضحة جدًا، ولكن لها بديل من خلال بيع الاجل ونحوه.

 

3 ــ البيع القصير، والبيع الطويل:

يستعمل في أسواق البورصة استخدام لفظ «طويل» و«قصير» كثيرًا، وليس المراد به الطول أو القصر من حيث الزمن، وإنما له علاقة بالهدف من الاستثمار[66].

فالمراد بالطول: شراء الأسهم والاحتفاظ بها للحصول على الربح، أو بيعها للحصول على الزيادة في أسعارها.

وأما القصير فيتعلق بالمغامرة على انخفاض أسعارها، وذلك بأن يتوقع شخص أن أسعار إحدى الشركات سوف تنخفض، فيعمد إلى عملية بيع قصير عن طريق اقتراض عدد من أسهمها من سمسار يحتفظ بهذه الأسهم لضمان السداد، ثم يبيعها المقترض بالسعر السائد، ثم يعيد شراءها عند انخفاض الأسعار، ثم يقوم بتسديد القرض أي يرجع الأسهم إلى صاحبها، ويحتفظ لنفسه بالفرق الذي تحقق له من خلال هذه العمليات التي تتم من خلال سماسرة متخصصين[67].

فالمستثمر يستفيد من الفرق بين السعرين، والسمسار حقق عائدًا من استخدام النقود وحصل على أرباح الأسهم التي توزعها الشركة المصدرة للأسهم في هذه الفترة كما في القوانين الأمريكية، إضافة إلى حصوله على مقابل خدماته الإِدارية.

وهذا القرض (أي اقتراض الأسهم) قرض حال، وغير محدد بمدة زمنية، حيث يستطيع المستثمر إعادة الأسهم في أي وقت يشاء، كذلك يستطيع السمسار استرجاعها في أي وقت يريد، ولذلك قد يضطر المستثمر إلى اقتراضها من جهة أخرى إذا كان الوقت لم يحن بعد لإِيقاف العملية.

والفـرض الأساسي مـن عمليات البيـع القصيـر هـو استغلال توقعات المضارب بأن الأسعار سوف تنخفض، ولذلك إذا خابت توقعاته، وارتفعـت الأسعار فإنـه يخسـر كثيرًا، ولذلـك نجـد أن بعـض البورصـات (كبورصـة نيويورك) تمنع عمليات البيع القصير إذا كـان اتجاه سهم الشـركة الذي يجري تداولـه نحـو الانخفـاض، لأن انتشـار هـذا النوع قد يـؤدي إلى انهيار السوق[68].

وحكم البيع الطويل إذا كان محله أسهمًا حلالاً الجواز، لكن حكم البيع القصير هو عدم الصحة والجواز، حيث إن فيه عدة مخالفات شرعية منها الفوائد، ومنها أن هذا العقد قائم على المغامرة، إضافة إلى عملية التسلم والتسليم ــ كما سبق ــ .

 

التعامل بغير الأسهم والسندات في البورصة :

 1 ــ  عمليات الصرف ، وذلـك يشمـل النقـود المختلفـة، والذهب والفضة، والطعام وغيرها من السلع.

 أولاً: التعامل بالنقود المختلفة: بخصوص النقود، توجد عدة أسواق وأنواع لكيفية التعامل فيها، نوجزها فيما يأتي:

(أ) سوق الصرف العاجل: حيث يتم التعامل فيـها عن طريق الشراء النـقدي لمخـتلف العملات، وعن طريق التحويلات البرقية والبريدية والسفاتج (الحوالات) العاجلة[69].

ومعظم التعامل في سوق الصرف يتم من خارجها، وبالتالي يتطلب دفع ثمن العملة الأجنبية، بالإِضافة إلى تكلفة الإِرسال (برقيًّا أو لاسلكيًّا) ويلاحظ أن العملة الأجنبية لا تصل إلى الطرف الاخر في الحال، بل يحتاج إلى بعض الوقت يطول، أو يقصر نوعية وسيلة الاتصال والإِرسال، ومن هنا قد يستفيد من هذا المبلغ المصرف المرسل[70].

وحكم هذا النوع أنه إذا كان شراء نقدًا فلا غبار عليه، لأن شرط التقابض «يدًا بيد» قد تحقق، وأما إذا كان عن طريق الحوالة الشيكية فإن استلام الشيك بمثابة القبض، بل هو ائتمان في نظر الاقتصاديين[71] وتأصيله الفقهي معروف من خلال ما يسمى بالسفتجة التي كانت سائدة في عصر الصحابة والتابعين حتى أن عبد الله بن الزبير في مكة حينما يأتي إليه شخص ويعطيه نقودًا وهو يسافر إلى العراق كان يعطيه سفتجة (ورقة بالحوالة) فيأخذ بها الدائن بقدر نقوده من أخيه مصعب بالعراق[72]، بالإِضافة إلى حديث ابن عمر حيث قال: «كنت أبيع الإِبل بالبقيع... فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: «رويدك أسألك: إني أبيع الإِبل بالبقيع ــ بالباء: المقبرة المعروفة، وبالنون واد جنبها ــ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»[73].

وكذلك يعتبر بمثابة القبض أخذ الورق (الفاتورة) ــ الذي سجل فيه العقد ومقابله من العملة الأخرى، حيث يسجل فيه عادة السعر، ويثبت فيه المقابل حيث يسجل حسابيًا ــ .

فهذه التحويلات سواء أكانت عن طريق الخطاب العادي، أو البرق أو التلكس، أو الفاكس تكيف على أساس «السفتجة» التي قال بها جماعة من الفقهاء[74].

ويمكن تخريجها كذلك على أساس الصرف والوكالة، حيث إن البنك يقوم بعملية صرف العملة إلى العملة التي يريد العميل تحويلها إلى الجهة المطلوبة، ثم يصبح المصرف وكيلاً لتحويلها إليها وإعطاء الأمر بتسليم المبلغ إلى الشخص الاخر، أو الجهة المطلوبة[75].

ومن هنا يحق للبنك أن يأخذ أجرة (عمولة) على التحويل، إذ الوكيل له الحق أن يأخذ الأجر ــ كما هو معروف في الفقه[76] ــ .

وأما الشيكات سواء كانت مصرفية، أم سياحية فإنها عند الاقتصاديين نقود كما سبق، أو بمثابة النقود، ومن هنا يتم العقد، إذا كان الشيك حالاً وغطاؤه موجودًا في البنك.

 

(ب) سوق الصرف الاجل: تعتمد سوق الصرف الاجل على نوعين هما:

1 ــ تبادل سفاتج الصرف الاجلة: أي الحوالات الاجلة التي تتضمن أمرًا من طرف أول (ساحب) إلى طرف ثانٍ (مسحوب عليه) ليدفع مبلغًا من العملة الأجنبية إلى طرف ثالث في تاريخ معين.

وتستعمل هذه السفاتج كوسيلة لتمويل التجارة الخارجية، إذ يمكن للمصدر أن يسحب سفتجة على المستورد بقيمة البضاعة، وبعملة بلد المستورد قابلة للدفع في تاريخ معين، ويقدمها للمستورد الذي يوقعها بالقبول محددًا المصرف الذي تصرف الحوالة لديه وحينئذ يحتفظ المصدر بالحوالة إلى أن يحين أجلها، أو يودعها لدى مصرفه لتحصيلها في وقتها[77].

وهذه السفاتج تتميز بأن تظهيرها من جانب الطرف الثالث يجعلها تلقائيًّا قابلة للبيع، وتقبل الدفع بعد مرور 30 يومًا أو 120 يومًا، ويختلف سعر الصرف عليها بما يساوي معدل الفائدة السائد في بلد الطرف الأول[78].

وحكم هذا النوع واضح حيث لا يجوز التعامل فيه لوجود ربا النسيئة وربا الفضل، وهو ما يؤخذ من الفوائد على التأخير، وعدم تحقق القبض الشرعي حيث يشترط بالنصّ والإِجماع تحقق المماثلة واليد باليد (أي القبض الشرعي في المحلين) عند اتحاد الجنس، ووجوب القبض يدًا بيد عند اختلافه[79].

2 ــ العقود المؤجلة وهي شراء: أو بيع عقد ينص على تسليم كمية محددة من العملة بسعر صرف متفق عليه سلفًا، حيث يتم دفع كل من الثمن وتسليم العملة في تاريخ مؤجل محدد.

وتستخدم سوق العقود كثيرًا من قبل المصارف لإِجراء الصفقات الوقائية خوفًا من تقلب الأسعار، ولتغطية أرصدتها المستقبلية من العملات المطلوبة في حينها، حيث تستخدم جزءًا من القروض في شراء تلك العملة التي يجب عليها تسليمها في الوقت اللاحق شراءً منجزًا ثم يقرضونها بالخارج إلى موعد تسليمها بفائدة، أو بالعكس[80].

والخلاصة أن النقود لا يجوز بيعها وشراؤها إلا يدًا بيد، ومن هنـا فهـذه العمليـة غيـر جائزة شرعًا إطـلاقًا لمـا تشتمـل عليه من ربا الفضل والنسيئة.

 

(ج) سوق النقد الاجل ، وهي نوعان:

1 ــ سوق النقد للأجل القصير: حيث يتعامل فيها بالسندات الحكومية قصيرة الأجل، وقروض سماسرة الأوراق، والقبول المصرفي والأوراق التجارية، والأموال فيما بين المصارف وشهادات الوديعة الاجلة القابلة للتداول.

2 ــ سوق رأس المال: أو سوق الأوراق المالية[81] ، والقاعدة الفقهية في هذه المسألة هي: أن التعامل في النقود وما في حكمها بالبيع والشراء (الصرف) لا يجوز إلا إذا تم القبض الشرعي (يدًا بيد) والتماثل في النقود المتحدة جنسًا، والقبض الشرعي فقط فيما لو اختلفت، مع مراعاة ما ذكرنا من أحكام الشيكات ونحوها.

وأما الحوالة في النقود، والقرض فيها فجائزان على ضوء القواعد العامة للشريعة القاضية بعدم وجود الربا فيها.

 

ثانيًا: التعامل بالذهب والفضة والطعام:

أما الذهب والفضة والطعام، فحكم التعامل فيه هو وجوب التماثل والقبض في المجلس (يدًا بيد) في جنس واحد، مثل الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والحنطة بالحنطة[82].

وأما إذا اختلفت الأجناس فيشترط التقابض في المجلس، غير أنه يجوز بيع الطعام بالذهب أو الفضة أو النقود إلى أجل للحديث الصحيح الدال على أن النبـي صلى الله عليه وسلّم اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل فرهنه درعه[83].

 

ثالثًا: التعامل بالسلع الأخرى:

أما التعامل بغير الأنواع الثلاثة السابقة ــ الذهب والفضة والطعام ــ من السلع، فيجوز التعامل فيها إذا توفرت الأركان والشروط الشرعية لكل عقد، ومن أهمها كون المعقود عليه حلالاً، وعدم اشتراط تسليم الثمن والمثمن معًا.

وقد توسعت الشريعة، فذكرت وأقرت أنواعًا كثيرة من العقود والمعاملات، منها: البيع، والسلم، والبيع بالأجل، والاستصناع ونحوها. كما أن ذكر هذه الأنواع الموجودة في الفقه الإِسلامي ليس للحصر، فالأصل في العقود والتصرفات والشروط هو الإِباحة[84].


وأما في الأسواق المالية (البورصة) فيتم التعامل بالسلع على ضوء ما يأتي:

(أ) سوق السلع الحاضرة، حيث يتم التعامل فيها بكميات محددة، وبمواعيد وشروط تسليم معينة، وليس للسوق أنماط معينة لا يجـوز تجاوزها، وإنمـا يعود الأمـر في العقـود الجارية فيها إلى الشـروط المتفق عليهـا بين المشتـري، أو البائـع، والسـوق وحسبمـا يحقـق مصلحة العاقد[85].

ومن أساليب التعامل الشائعة: الشراء على العقد، وهو أن يتعاقد المشتري على شراء حاجياته خلال فترة معينة وفقًا لجدول تسليم معين طبقًا للأسعار السائدة في أوقات التسليم.

وقد وضعت السوق بعض الضوابط العرفية وتفصيلات لكل نوع من أنواع التسليم، مثل التسليم بالمخازن، والتسليم مع التأمين والشحن، والتسليم على ظهر السفينة، والتسليم إلى جانب السفينة، فيختـار المشتري مـن هذه الأنـواع بشروطهـا مـع مـا يتناسب مـع إمكانيـاته ومصلحته في نظره[86].

(ب) سوق العقود السلعية التي يتم فيها تبادل السلع عن طريق عقود نمطية خاصة، تذكر فيها الشروط والمواصفات، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا من حيث بيان الأسعار ومواعيد التسليم المتفق عليهما، لذلك تتصف السلع التي يتم تداولها عن طريق هذه العقود بتجانس وحداتها، وقابليتها للتدول بكميات كبيرة، وللفرز، إضافة إلى عدم قابيلتها للتقلبات السريعة، وللتلف نسبيًّا[87].

وهذه العقود قد تكون ناجزة، وقد تكون مؤجلة، وفي حالة التأجيل ينص العقد على المكان والزمان الذين يحددهما البائع، كما يودع كل من العاقدين نسبة معينة من قيمة المبيع كضمان لتنفيذ العقد، كما تحدد قواعد السوق فروق الجودة المستخدمة عند التسليم من خلال أسلوب الفروق الثابتة المحددة سلفًا من قبل السوق، أو أسلوب الفروق المتغيرة التي تحتسب على أساس الفروق بين متوسط الأسعار اليومية بمختلف درجات الجودة في السوق الحاضرة.

 

وإذا حل زمن الاستلام فإن العقد ينتهي من خلال إحدى الطرق الثلاث:

1 ــ طريقة التبادل الفعلي بين البائع والمشتري.

2 ــ المقاصـة التي تقـوم بهـا بيـوت المقاصـة حيـث تتداخـل عند الحاجة في إنهاء عقود المتعاقدين مقابل عقود أخرى، مثل أن يكـون أحمد قـد باع لمحمـد قمحًا يكـون تسليمـه فـي شهـر كذا، واشتـرى محمـود قمحًا مـن حمـد، فـإن قيـام حمـد بتسليم القمح إلى محمد ــ بعـد قبض الثمن مـن أحمـد ــ قـد أنهى العقدين مـعًا، وقـد تقوم بيوت المقاصة من خلال حلولها محل المشترين والبائعين في التزاماتهم لتصفية العقود بعضها مقابل بعض.

3 ــ المصالحة عن طريق إدارة السوق في حالات خاصة، فتلجأ فيها إلى التحكيم لتحديد السعر العادل الذي يتصالح عليه[88].

وحكم هذا النوع إن كان تسليم السلعة والثمن يتمان دون اشتراط تأجيلهما معًا فإن هذا النوع صحيح إذا خلا من بقية المحرمات الشرعية، أما إذا كان فيه تأخير لأحدهما (السلعة، أو الثمن) فهذا أيضًا جائز بمواصفات وشروط السلم في حالة تأجيل السلعة، وشروط بيع الأجل في حالة تأجيل الثمن.

أما إذا كان فيه اشتراط تأجيل الثمن والمثمن فإن كان ذلك العقد قد صيغ على مواصفات عقد الاستصناع فهذا جائز، وإلا فلا يجوز ــ كما سبق تفصيل هذه البدائل ــ .

  

سوق الاختيارات أو الخيارات :

الخيارات: جمع خيار، وهو في عرف الفقه الإِسلامي عبارة عن حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوِّغ شرعي، أو بمقتضى اتفاق عقدي، وهو يصل إلى ثلاثة وثلاثين نوعًا[89].

والاختيارات: جمع اختيار، وهو يعني طلب خير الأمرين، والإِصفاء والإِيثار والانتقاء والتفضل، هذا في اللـغة. أما معناه في الاصطلاح الشرعي فقد عرفه الحنفية بأنه «القصد إلى أمر متردد بين الوجود والعدم داخل قدرة الفاعل بترجيح أحد الأمرين على الاخر»[90]، ولخص هذا التعريف ابن عابدين بقوله: «الاختيار هو: القصد إلى الشيء وإرادته»[91]، وعرفه الجمهور بأنه «القصد إلى الفعل وتفضيله على غيره بمحض إرادته»[92].

أما الاختيار ــ أو الخيار ــ في عرف الاقتصاد المعاصر، وفي الأسواق المالية فيراد به: حق شراء، أو بيع سلعة ما في تاريخ محدد بسعر متفق عليه سلفًا، ولا يترتب على مشتري الخيار التزام بيع، أو شراء وإنما مجرد حق يستطيع أن يمارسه، أو يتركه، ويصبح المضارب (المجازف) مالكًا للخيار بمجرد دفع قيمته، فالاختيار اتفاق بين طرفين يتعهد بموجبه الطرف الأول (البائع) أن يعطي للطرف الثاني (المشتري) الحق ــ وليس الاجبار ــ لشراء، أو لبيع أوراق مالية، أو سلع حسب شروط منصوص عليها في العقد[93].

وقد تطورت أسواق الاختيارات تطورًا كبيرًا وأصبحت تشمل معظم السلع والأوراق المالية، ولا سيما بعد إنشاء سوق شيكاغو لتداول اختيارات الشراء على الأسهم سنة 1973، كما تم تأسيس أسواق مماثلة في أمريكا منذ سنة 1976، غير أنه منذ بداية الثمانينات تم إدراج أنواع جديدة من الاختيارات تشمل الأسهم، وسندات الخزينة الأمريكية والأجنبية والسلع والبضائع، ومؤشرات قياس الأداء في أسواق الأسهم[94].

ولا تختلف الخيارات في أوروبا عما في أمريكا إلا في نقطة واحدة، وهي أن المشتري له الحق في أمريكا أن يمارس حقه خلال مدة الخيار قبل الساعة الثامنة مساءً من آخر يوم فيه، بينما لا يجوز له أن يمارس حق خياره في الأسواق المالية الأوروبية إلا في آخر المدة المحددة أي في الساعات الأخيرة من تلك الفترة[95].

 

أنواع الاختيارات:

للاختيارات في الأسواق المالية أنواع كثيرة نذكر أهمها:

(أ) أنواع الاختيارات من حيث المصدر، وهي:

1 ــ الخيار الذي تمنحه الشركات لبعض العاملين لديها من كبار المدراء حيث تمنحهم حق شراء عدد من أسهمها بسعر محدد سلفًا (أدنى من السعر السائد غالبًا) والهدف هو تشجيعهم على العمل المخلص الجاد لأن الأرباح تعود إليهم.

غير أن الشخص الذي منح له هذا الحق يقوم ببيع الاختيار فقط دون الأسهم[96].

فحكم هذا النوع، هو: أن منح الشركات حق شراء ذلك وعد لا حرج فيه شرعًا، لكن المانع الشرعي يكمن في بيع الخيار وحده منفصلاً عن الأسهم، وهذا لا يجوز شرعًا لأن المعقود عليه حق محض دون أن يكون له وجود، إضافة إلى أن نية المتعاقدين في هذه المسألة هذه الاستفادة من فروق الأسعار وليس امتلاك الأسهم، ثم إن هذه الأسهم التي وعدت بها الشركة ستكون أسهمًا جديدة وليست قديمة، ولذلك لا يتوفر في نظر الشرع المعقود عليه، فيصبح بيع الخيار باطلاً لا يجوز.

2 ــ الاختيار الذي تبيعه الشركة لمستثمرين جدد حيث يكون لهم حـق شراء مجموعـة مـن أسهمها بسعـر محدد (أقل مـن السعر السائـد) خلال مدة محددة، ثم يقوم هؤلاء، أو بعضهم ببيع هذا الحق الذي هـو قابـل للتـداول، والشركـة تصـدر هـذا النـوع مـن الاختيـارات لأغراض متعددة[97].

وحكمه مثل السابق، يضاف إليه حرمة السندات التي غالبًا تصاحب هذه الخيارات[98].

3 ــ الاختيار الذي تصدره سلطة السوق المالية يعطي حامله الحق في شراء، أو بيع عدد من الأسهم خلال فترة محددة، ثم يقوم ببيع هذا الحق، وكذلك الخيارات التي يصدرها السماسرة والمتعاملون في السوق التي تشكل أهم نشاطات أسواق البورصة في البيوع الاجلة في العصر الحاضر، وإذا جرى تداول هذه الخيارات في أسواق البورصة الرئيسية فإن عقودها نمطية متشابهة من جميع النواحي ما عدا السعر، حيث تحدد سلطة السوق مدة العقد، ووقت انتهاء صلاحيته، وعدد الأسهم إذا كان الخيار لها.

والسوق تكون ضامنة لوفاء الأطراف بتعهداتهم، أو هي تحدد جهة متخصصة، ولذلك فلا حاجة إلى وجود علاقة مباشرة بين العاقدين، أما إذا جرى تداول هذه الخيارات خارج (البورصات) فإن شروط الخيارات التي تصدرها السوق تكون خاضعة للتفاوض[99].

4 ــ الخيار الذي تمنحه الشركة لحاملي أسهمها لمدة شهر أو شهريـن وذلك مـن خـلال إعطائهم حـق الحصول عـلى أسهم في إصدار جديـد بسعر أقـل عـن السعر السائـد، والهدف منـه تشجيعهم على المزيـد من التماسـك، وخلـق صعوبات أمـام مـن يريـد شـراء حصـة مـن الأسهـم المتداولة.

 

(ب) أنواع الاختيارات باعتبار محلها:

إما اختيارات الأسهم، أو اختيارات السندات، أو اختيارات العملة الأجنبية، أو الاختيارات على المؤشر.

هذه الأنواع كلها واضحة ما عدا الأخيرين يحتاجان إلى شرح موجز وهما:

1 ــ الاختيارات على العملة الأجنبية، وهي تعني شهادة تصدرها الشركة تعطي صاحبها الحق في الحصول على مبلغ معين من عملة أجنبية بسعر محدد من العملة المحلية.

وهذه الفكرة بدأت في أوروبا منذ سنة 1986م، ثم انتشرت في أسواق المال بسبب تقلبات أسعار العملات الأجنبية، ومحاولة تغطيتها.

وهي نوعان: نوع بفئات كبيرة، ومدتها طويلة (كخمس سنوات وما فوق)، وهذا النوع تصدره المؤسسات المالية المتخصصة.

والنوع الاخر تصدره الشركات غير المالية التي يؤدي تعاملها في الأسواق الأجنبية إلى دخولها في أسواق الصرف الدولية، فتقوم بإصدار هذه الخيارات وبيعها على العملاء، وغالب الذين يشترونها هم صغار العملاء الذين لا يستطيعون شراء النوع الأول[100] مثل شركة التليفون والتلغراف الأمريكية التي أصدرت خيارات عملة أجنبية بقيمة ثلاثة ملايين دولار تعطي حاملها الحق في الحصول على 50 دولار بسعر 158,25 ين ياباني للدولار، فإذا ارتفع سعر الصرف بين الين والدولار فإنه سيحقق أرباحًا بقدره[101].

وحكم هذا النوع واضح في عدم جوازه، لأنه إن كان عقدًا فلا يجوز التعامل في النقود إلا يدًا بيد، وإن كان وعدًا فهو غير ملزم في نظر الشرع، وإذا ألزم به فلا يجوز في الصرف أبدًا.

 

2 ــ الاختيارات على المؤشر، وهي عبارة عن نوع من الحظ والمجازفة (بل والمغامرة)، فإذا كانت الاختيارات السابقة أدت إلى أنه لا داعي ابتداء على امتلاك الأسهم أو السندات بل يكفي شراء وبيع الخيارات، فإن هذا النوع يعني أن المتعاملين في البورصة يعمدون إلى تصفية الخيار نقديًّا، فيدفع مصدر الخيار إلى المشتري الفرق بين السعر الجاري والسعر المتضمن في الخيار بدون الحاجة إلى بيع وشراء الأسهم ذاتها، أو السندات، فهذا النوع لا يتضمن ورقة ماليـة بعينها (أي سهـم، أو سنـد شركـة محـددة) ولكنهـا تتضمـن مؤشـرًا، فمثلاً: يعرف أن مؤشرًا (ضمن المؤشرات الكثيرة المستخدمة في البورصـة) يقيس التغيـر فـي سعـر مائـة شركـة تتـداول أسهمهـا في بورصـة نيويورك (مثلاً) فعندما يصدر الخيار على المؤشر المذكور فإنه يتضمن تلك الأسهـم للمائـة (بدلاً مـن أسهم شركـة واحـدة)، فهنـا لا حاجـة إلى قبـض أو تسليـم أي شـيء بـل يكفي تصفيـة العقد نقـديًّا عند انتهاء مدته معتمـدين على اتجاه المؤشر، فإذا ارتفع، ربح من قامر على ارتفاعه، وخسر من قامر على الانخفاض.

يقول الدكتور محمد القري: «هذا العقد صورة من صور القمار الذي ينتشر في أسواق البورصة في زمننا الحاضر حتى صارت بعض الصحف المتخصصة تسمي المجتمع الأمريكي مثلاً «مجتمع صالة القمار» كناية عن هذه الظاهرة؛ لأن ما يدفعه المشتري يحصل مقابله على فرصة ربح تعتمد على الحظ والمخاطرة، ثم إن ما يتحصل عليه من عائد ليس له مصدر حقيقي... لكنه شبيه بالميسر الذي يكسب الطرف الأول خسارة الطرف الثاني اعتمادًا على ما قامرا عليه»[102].

ومن هنا فحكم هذا النوع واضح من حيث الحرمة، فقد حرم الله تعالى بنصوص قطعية الميسر، وأكل أموال الناس بالباطل.


(ج) أنواع الاختيارات باعتبار طبيعتها حيث هي، ما يأتي:

1 ــ اختيارات غير مغطاة وهي عندما نتخذ الأوضاع الاتية، وهي شراء اختيار شراء، أو بيعًا، وبيع اختيار شراء، أو بيعًا.

2 ــ اختيارات مغطات من خلال:

(أ) تكوين محفظة أوراق مالية متكونة من اختيارات من نفس النوع ولكن ذات تاريخ استحقاق مختلف، أو سعر ممارسة مختلف، ويسمى التغطية المنجزة من اختلاف الأسعار.

(ب) أو من خلال التحوط، وهو: تكوين محفظة أوراق مالية متكونة من اختيارات تخص نوعية معينة من الأسهم، ومن أسهم من نفس النوعية وذلك للتحوط من تذبذب الأسعار.

(ج) أو التغطية المركبة من اختيارات بيع واختيارات شراء تخص نفس الأسهم[103].


ومن جانب آخر يمكن تقسيمها إلى ما يأتي:

1 ــ عقد اختيار الطلب: ويسمى اختيار الاستدعاء وهو خيار يصدره المتعاملون في السوق يخول مشتريه حق شراء (وليس الالتزام بالشراء) عدد محدد من أسهم شركة، أو أي أوراق مالية معينة بسعر معين خلال فترة محددة تكون غالبًا 90 يومًا، يلتزم المصدر (أي البائع) بتقديم تلك الأوراق إلى المشتري عند طلبه خلال تلك المدة.

وعادة لا يشتري خيار الطلب إلا من يتوقع ارتفاع الأسعار، ولا يمارس حقه إلا في هذه الحالة ولا يشترط البائع أن يكون مالكًا ــ كمـا سبـق ــ لكنـه إذا كان مـالكًا يسمى خيـارًا مغطى، وإلا يسمى خيـارًا مكشوفًا[104].

2 ــ اختيار الدفع: ويسمى اختيار البيع أيضًا، وهو الذي يعطي حامله الحق في بيع (وليس الالتزام ببيع) عدد معين من الأسهم أو الأوراق المالية ــ بسعر محدد خلال فترة محددة ــ للشخص الاخر الذي يجب عليه قبولها إذا مارس الأول هذا الحق، فمثلاً: اشترى أحمد وثيقة خيار دفع يكون من حقه أن يبيع عدد الأسهم المتضمنة فيها عند سعر محدد خلال المدة التي يسري فيها الخيار، وعادة يمارس أحمد حقه هذا عند انخفاض أسعار أسهمه، حيث يريد حماية نفسه من الخسارة المتوقعة[105].

3 ــ الخيار المركب: الذي يتضمن حقًا في الشراء، وحقًا بالبيع في الوقت نفسه، ثم قد يكون ممتدًا إذا كان متضمنًا سعرًا للشراء يزيد على سعر البيع، وحامل هذا الاختيار قد احتاط لنفسه في نظره من الجانبين فإذا وجد الأجدى له البيع مارسه، أو الشراء نفذه، وهكذا[106].


الخلاصة والحكم الفقهي للاختيارات:

ما ذكرناه هو ملخص في غاية من الإِيجاز عن التعريف بالاختيارات وأنواعها، ولكنه يعطينا صورة واضحة من أن الفكرة الرئيسية التي تدور حولها أسواق المال (البورصة) هي كيفية تحقيق الأرباح، سواء كانت على حساب الغير، أم عن طريق الحظ والمجازفة والمقامرة، أم لا.

فلم تنشأ هذه الأسواق نشأة إسلامية ولا أخلاقية، وإنما هي من نتاج الأفكار المالية الحرة التي لا تفكر إلا في كيفية تحصيل المال عن أي طريق كان، وهذا لا يعني أننا نرفض كل هذه الأفكار، لأن الحكمة النافعة في شتى مجالات الحياة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنّى وجدت، ولكن الذي نعنيه هو ضرورة البحث والتنقيب، والفحص الدقيق لهذه الأفكار حتى لا يبهرنا بريقها فننسحب وراءها بحجة «رفع الحرج» أو «الأصل في الأشياء الإِباحة» لأن هذه القواعد كلها مقيدة بأن لا تصطدم بنصّ ثابت.

وبناءً على ما سبق فإن الاختيارات بصورتها الحالية لا ينطبق عليها ما هو مطلوب شرعًا من وجود المعقود عليه وجودًا حقيقيًّا أو موصوفًا في الذمة، ثم إن محل العقد في الاختيارات هو حق محض منفصل عن الأسهم أو الأوراق المالية التي يعطى على أساسها حق الاختيار، ولذلك أجازت السوق بيع الخيار وحده، بل هذا التداول هو الأكثر في الاختيارات ومثل هذا لا يجوز أن يكون معقودًا عليه في الفقه الإِسلامي، كما أن هذه الاختيارات تقوم من حيث الغالب على المخاطرة والحظ والمقامرة، والربح على حساب الاخر، بحيث يكون ربح أحدهما على حساب خسارة الاخر، فمثل هذا يدخل في الميسر المحرم، وفي أكل أموال الناس بالباطل.

 

ونحن هنا نذكر ما يتعلق بهذه المسألة بشيء من التفصيل على ضوء ما يأتي:

أولاً: الفرق بين الخيار الشرعي واختيارات السوق أو خياراتها:

إذا وازنا بين الخيار في الفقه الإِسلامي والاختيار في الأسواق المالية نجد أن بينهما فروقًا جوهرية من أهمها:

1 ــ أن الاختيار الذي يتعامل به الناس في أسواق المال هو عقد مستقل عن عقد البيع، حيث تتضمن الصيغة انفصال البيع عن الخيار فيكون للخيار ثمن وللسلعة أو السهم ثمن، فهو عقد منفصل مستقل يشتري فيه المستثمر حقًا يخوله البيع، أو الشراء[107].

بينما الخيار في الفقه الإِسلامي هو مجرد حق الفسخ بسبب مقتض إرادي مشروط، أو بسبب آخر أثبته الشرع، فهو إذن ملحق وتبع للبيع نفسه، وليس حقًا مستقلاً، كما أنه ليس له ثمن ولا يجوز بيعه إطلاقًا عند الفقهاء[108].

2 ــ أن محل العقد في الخيار الشرعي موجود متحقق، بينما المحل في الاختيار السوقي مجرد حق وليس الأسهم، أو السلعة؛ لأن للأسهم أو السلعة عقدًا آخر هو عقد بيع وليس حقًا، إضافة إلى ما فيه من أمور مستقبلية.

3 ــ الأغلب أن يبيع الاختيار السوقي من لا يملك السلعة أو الأسهم التي تكون ملكًا لاخر، بينما الخيار الشرعي لا يباح أولاً كما أنه تبع للعقد الذي تم، ومتعلق به.

4 ــ في الاختيارات يمكن أن تصل إلى سنوات بينما في خيار الشرط الشرعي محدد بفترة محددة[109].

ولذلك لا ينبغي الخلط بين الخيار الشرعي، والاختيار السوقي فالأمران مختلفان من حيث الشكل والمضمون.

 

ثانيًا: ما يمكن أن يكون أصلاً لهذه الاختيارات:

ظهر مما سبق أن عقود الاختيارات تتضمن أمرين:

الأمر الأول: محل هذه الاختيارات: وهو تلك الأسهم، أو الأوراق المالية أو العملة الأجنبية، أو نحو ذلك.

الأمر الثاني: هو حق بيع الاختيار نفسه بثمن محدد في وقت لاحق.

أما الأمر الأول: فيتم من خلال عقد ببيع، أو شراء أسهم، أو أوراق مالية، أو نحوها مما سبق في وقت محدد لاحق، وبسعر معين، ولكنه لا يتم فيه دفع الثمن ولا تسليم المثمن، حيث يتم الدفع في الوقت الذي يتفق عليه العاقدان في العقد، ويكون من له الخيار بالخيار.


فهل هذا العقد مثل السلم، أو البيع بأنواعه وبيع العربون، أم هو عقد جديد؟

1 ــ لا شك أن هذا العقد لا تنطبق عليه مواصفات السلم الذي هو بيع شيء موصوف في الذمة، ويشترط فيه الثمن في المجلس عند الجمهور، وفي حدود ثلاثة أيام عند المالكية ــ كما سبق ــ وذلك لأن هذا العقد الذي نتحدث عنه لا يتم فيه الدفع والتسليم إلا في مدة لاحقة مشروطة في العقد، كما أن المسلَّم فيه لا يجوز أن يكون نقودًا، وأثمانًا، ومثله السندات.

2 ــ كذلك لا تنطبق عليه مواصفات البيع ــ بصورة عامة ــ وذلك لأنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، قال ابن رشد: «أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة»[110]، فلا يجوز في البيع قطعًا اشتراط تأخير الثمن والمثمن معًا، وإن كان اشتراط تأخير أحدهما جائزًا كما في السلم، حيث يؤخر فيه تسليم المسلم فيه، وكما في بيع الأجل حيث يؤخر فيه تأجيل الثمن[111].

3 ــ كذلك لا تطبق عليه مواصفات بيع العربون ــ بفتح العين والراء، أو بضم العين، وسكون الراء، والعربان بالضم. فهو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءًا من الثمن على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها، فهو للبائع[112].

وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا البيع حيث ذهب الجمهور ــ الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة ــ إلى عدم صحته، بينما ذهب أحمد إلى صحته[113].

ونحن هنا لسنا بصدد الأدلة والمناقشة والترجيح، وإنما الذي نذكره هنا هو أن الاختيارات لا تنطبق عليها مواصفات بيع العربون المختلف فيه، وذلك لأن العربون في بيع العربون جزء من الثمن، وأما في الخيارات فهو ثمن منفصل عن سعر الأسهم، فهو سعر للخيار نفسه، هذا إذا كان الخيار خيار الطلب، حيث يوجد نوع من التشابه من حيث إنه يعطي مشتريه الحق في شراء عدد من الأسهم خلال فترة محددة شبيهة ببيع العربون من هذا الوجه فقط، وأما خيار الدفع الذي يكون لمشتريه حق بيع الأسهم فلا شبه بينه وبين بيع العربون اطلاقًا[114]، إضافة إلى أن المعقود عليه موجود في العربون على عكس الاختيار.

ــ هل هو عقد جديد؟ نعم إنه نوع جديد، لكنه ليس صحيحًا في نظرنا، وإن كان الراجح هو أن الأصل في العقود والشروط الإِباحة، وذلك لأن هذا العقد واقع على شيء مجرد ليس له حقيقة، لأن المعقود عليه هو حق الشراء، أو حق البيع من طرف والالتزام بالشراء أو البيع من الطرف الاخر، فعلى ضوء هذا فالمعقود عليه معدوم ليس له وجود حسي، فيكون أحد أركان العقد غير موجود فيكون العقد باطلاً، وذلك لأن العقد نفسه وارد في الاختيارات على هذا الحق وحده، وأما ما يتم تبادله فيما بعد من أسهم أو سندات، أو سلع... فإنه إنما يأتي لاحقًا وليس له علاقة عضوية بعقد الاختيار نفسه، لأن كل واحد منهما مستقل بذاته، وله ثمنه الخاص[115].

  ومن جانب آخر إن هذا العقد مركب من صفقتين هما: حق البيع والشراء (أي الاختيار) والأسهم ونحوها، يمكن اعتباره واردًا على مال وعلى حق محض لا يمكن اعتباره مالاً في نظر الفقهاء[116].

وأما الأمر الثاني (حق بيع الاختيار أو شرائه): فكما رأينا أن هذا الحق يباع ويشترى في البورصة مستقلاً عن الأسهم والسندات ونحوها، فهل ذلك جائز شرعًا؟

إن مسـألة التصرف فـي الحقوق تحتـاج إلى تفصيـل، يمكن تلخيصـه في أن الحقوق المحضة التي لا يمكن الانتفاع بها وحدها لا يجوز  بيعها[117]، فلا يجوز بيع خيار الشرط مثلاً بالاتفاق، وحتى في باب الإِرث يقول الزركشي: «اعلم أن الحقوق لا تورث مجردة ابتداء، وإنما تورث تبعًا للأموال كما في الخيار ونحوه»[118].

فالاختيارات هي حقوق محضة لا يمكن الانتفاع بها وحدها، ومحلها ــ أي الأسهم ونحوها ــ منفصل عنها؛ حيث لكل واحد منهما سعره وثمنه، فلا يجوز إجراء العقد على هذا الحق المحض. ثم إن ما يدفع فيه باعتبار ما يتحقق من الأرباح المستقبلية لمحلها من الأسهم ونحوها، وهو أشبه ما يكون بالاعتماد على الحظوظ، والميسر، ولولا طبيعة البورصة القائمة على بعض المعاملات القريبة من المقامرة لما كان لحق اختيار الأسهم أو نحوه أي قيمة تذكر.

وقد دلت نصوص الفقهاء على أن الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها، يقول الحصكفي: «لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة... ولا الصلح بمال مع المخيرة لتختاره، وكذا لو صالح إحدى زوجتيه لتترك لم يلزم ولا شيء لها»[119].

والملاحظ أن الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها هي الحقوق التي نتجت عن فعل سابق مثل حق القصاص الذي يجوز الاعتياض عنه بالديـة، أو التي نتجت عـن عقـد سابق كعقـد النكاح الذي يستمر، فيجـوز أخـذ العوض عنـه عن طريق الخلـع، أما الحقـوق المجـردة كحق الشفعة، وحـق الحضانـة، والولايـة، والوكالـة وحـق المـدعى فـي تحليـف خصمه اليمين، وحق المرأة في قسم زوجها لها كما يقسم لضرتها فلا يجوز الاعتياض عنها، لأنها حقوق أثبتها الشرع لأصحابها لدفع الضرر عنهم... وفي بعضها تفصيل وخلاف[120]، ومن هنا فحق الاختيار لا يدخل في هذا النوع الذي يجوز التعويض عنه، لأنه مختلف عنه تمام الاختلاف[121]، هل هو مثل بدل الخلو؟

قد يتبادر إلى الذهن أن حق الاختيار وبيعه له شبه بما يؤخذ في بدل الخلو في الإِيجارات، حيث أجاز بعض الفقهاء بضوابط شـرعية[122]، ووافـق مجمـع الفقـه الإِسلامي الموقـر التابـع لمنظمـة المؤتمر الإِسلامي في دورته الرابعة على بعض صوره، منها: «إذا تم الاتفاق بين المستأجر وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإِجارة على التنازل عن بقيـة مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية فإن بدل الخلو هذا جائز شرعًا...».

وجه التشابه بينهما هو أن الاختيارات بمثابة نوع من الامتياز لهذه الأسهم التي يكون لصاحب الخيار بيعها، أو شراؤها بأقل من سعر السـوق، فكأنـه حـق ثابـت لصاحـب الاختيـار مثل حـق الإِجـارة للمؤجـر مـع أن العيـن المستـأجرة شـيء آخـر كمـا أن الأسهـم ونحـوها شـيء آخـر مستقل.

غير أن التشابه لا يؤثر لوجود خلل في أصل العقد على عكس عقد الإِجارة فهو صحيح، أما عقد المحل للاختيار نفسه فغير صحيح ــ لمـا ذكرنا ــ إضافـة إلى أن المستأجـر إنمـا يتحقـق لـه هـذا الحـق مقابـل جهـده الـذي بذلـه في المحـل التجاري أو نحـوه، حتى صـار محلـه معـروفًا يرتاده النـاس، وتحمـل فـي سبيـل ذلـك زمنًا حيـث كـان المحـل فـي بـدايته مجهولاً يحتمل الخسارة، أما الان وبعد زمن فأصبح معروفًا، أو أن المستأجر أساسًا دفع الخلو للمالك أو لمستأجر سابق. بينما حق الاختيار حق محض لا يعدو كونه حق الشراء ــ كما سبق ــ فلا يمكن قياسه على حق بدل الخلو. والله أعلم.

 

حكم اختيار العملة الأجنبية، والسندات:

سبق أن ذكرنا أن الاختيارات قد تكون للعملة الأجنبية، أو السندات.

فإذا كانت للعملة الأجنبية فإن من المتفق عليه أنه لا يجوز بيع العملات إلا مع تحقق شرطين عند اتحاد الجنس هما: التماثل، والقبض في المجلس، وتحقق شرط واحد عند اختلاف الجنس، وهو القبض في المجلس[123].

وأما السندات التي تباع في البورصة (أو البنوك الربوية أو غيرها) فهي قروض بفوائد فلا يجوز التعامل بها وتداولها بأي تصرف أصلاً.

وأما السندات التي تباع في البورصة (أو البنوك الربوية أو غيرها) فهي قروض بفوائد فلا يجوز التعامل بها وتداولها بأي تصرف أصلاً.

ومن جانب آخر قد تكون الأسهم لبنوك ربوية، أو لشركات تتعامل في المحرمات كالخمر والخنزير وحينئذ فلا يجوز تداولها لا بأصلها، ولا باختيارها.

وإذا سلمت الأسهم والسلع عن المحرمات فسيرد على اختياراتهما ما ذكرناه سابقًا.


والخلاصة: أن الاختيارات بصورها الحالية في البورصات لا نجد لها مبررًا شرعيًّا، ولا تأصيلاً فقهيًّا، بل تصطدم بكثير من قواعد الشرع من حيث وجود المعقود عليه وجودًا حقيقيًّا، أو في الذمة، ومن حيث تسليم واحد من الثمن أو المثمن ــ كما سبق ــ فهي في الحقيقة وسيلة من الوسائل التي تجذب بها السوق عملاءها من خلال الاعتماد على الحظ والمخاطرة والقمار، وذلك لأن المستثمر قد تكون نيته انتهاز فرصة سانحة له في نظره وتوقعه لحال السوق في المستقبل فيشتري حق الحصول على الأسهم، أو العملة، أو نحوهما، فقد يتحقق ما كان يصبو إليه فيربح ربحًا كثيرًا، وقد لا يتحقق فيخسر خسارة كبيرة، وقد تكون نية المستثمر حماية نفسه من خسارة متوقعة عن طريق إلقاء المخاطرة على طرف آخر وإلزامه بالشراء عند حصول الضرر بثمن يحميه من الخسارة لتي نتجت عن انخفاض الأسعار، لذلك فالاختيارات لا تعتبر من العقود الصحيحة، بل هي باطلة في نظرنا لعدم وجود مال مخصوص معقودًا عليه، جاء في البيان الختامي لندوة الأسواق المالية: «وواضح أن محل العقد هو التزام، أو تعهد مجرد... وسواء سمى التزامًا شخصيًّا يترتب عليه حق شخصي، أو قلنا: إنه حق مال كالدين فإنه لا يجوز العوض عنه، فمحل العقد أو الالتزام تعهد أو التزام من طرف يبيع، أو يشتري، وثمن من الطرف الاخر... وليس محل العقد (الشيء المبيع) هو الأوراق المالية التي تعهد أحد العاقدين بشرائها أو بيعها، وليس هناك عقد (إيجاب وقبول) في وقت العقد على البيع أو الشراء، وعلى فرض أن هناك عقدًا على هذا المحل فهو بيع (عقد تمليك) معلق على شرط... مضاف إلى زمن مستقبل»[124].

 

 البدائل عن الاختيارات:

لا نجد بديلاً مطابقًا لصورها التي تتعامل بها (البورصة)، ولكن يمكن الوصول إلى الأهداف والنتائج المشروعة للاختيارات من خلال ما يأتي:

1 ــ إجراء العقود بخيار الشرط (مع تحقق الشروط المطلوبة من وجود المعقود عليه ونحوه)، ولا مانع من تمديد مدة خيار الشرط حسب العرف.

2 ــ عقد الاستصناع حيث يحل لنا مشكلة وجود المعقود عليه، وجهالة العمالة، فيمكن أن ترتب عقود وصكوك وشهادات خاصة بالاستصناع في المستقبل.

3 ــ عقد الجعالة أيضًا يمكن أن يعالج لنا كثيرًا من القضايا المستقبلية.

4 ــ عقد السلم، وبيع الاجل (بالتقسيط أو بدونه) يحلان مشكلة عدم وجود المسلم فيه في الأول، وتأجيله المشروط وعدم وجود (الثمن) وتأجيله في الثاني.

 

المستقبليـات :

يراد بها عقود آجلة يؤجل فيها قبض المحل (سلع، أو أسهم أو سندات أو مؤشر)، ويؤجل فيه أيضًا دفع الثمن ما عدا نسبة مئوية صغيرة (مثل 10 ) لا تسلم إلى البائع، وإنما تحتفظ بها غرفة المقاصة في السوق ضمانًا للوفاء بالعقد.

وهذه العقود المستقبلية نمطية تصدر كأداة تتضمن كمية معينة من القمح مثلاً ذات صفة محددة تقبض في تاريخ محدد، أو عددًا من أسهم شركة بعينها، أو سندات محددة تسلم في تاريخ محدد، وتتم هذه العقود عن طريق وسيط، والتسليم قد يقع على السلعة المشتراة أولاً وقد يقع على غيرها مما هي من جنسها وأوصافها مما تجتمع لدى مركز الوساطة (غرفة المقاصة) أو السمسار، ويكون التفاوض بين العاقدين على سعرها، وتتغير النسبة التي تم قبضها من قبل الغرفة اعتمادًا على السعر، لأنه روى في تحديده أنه ضمان للوفاء بذلك السعر، ويتم تصفية جميع العمليات يوميًّا فيتضح الرابح والخاسر، وإذا سلم العاقد المعقود عليه في نفس التاريخ ينقضي التزامه[125].

فهذه العقود المستقبلية نمطية وقابلة للتداول، فلا يحتاج العاقدان أن يتصل أحدهما بالاخر، وإنما يشتري كل منهما عقدًا نمطيًّا من سلطة السوق يتضمن تسليم كمية من السلعة في موعد لاحق محدد.

والباعث وراء هذه العقود هو الخوف من تذبذب الأسعار، وعدم القدرة على توقع أسعار المستقبل بشكل دقيق، إضافة إلى البحث عن إيجاد عملاء لصاحب السلعة، وضمان تصريف الكمية التي ينتجها، ولذلك فأكثر هذه العقود في السلع الزراعية.

 

الفرق بين المستقبليات والاختيارات:

تختلف المستقبليات عن الاختيارات في أن الثاني يدفع فيه المشتري سعرًا يعطيه الحق في شراء السلعة، أو الورقة المالية آجلاً، ثم يشتري الأسهم بالثمن الذي حدد سابقًا، وسعر الخيار هو الذي يتحدد في العرض والطلب وليس سعر السلعة ذاتها، بينما المستقبليات تتضمن بيعًا آجلاً، والسعر الذي يجري التفاوض عليه هو سعر السلعة ذاتها[126].

 

أنواع المستقبليات:

هناك أنواع كثيرة من عقود المستقبليات وهي:

النوع الأول: عقود على السلع والأوراق المالية المختلفة:

حيث لا يتطلب الأمر أكثر من أن يكون البائع قادرًا على الوفاء بالتزاماته، ولا يحتاج إلى إثبات ملكية للأصل، إذ المطلوب منه بموجب العقد أن يسلم المعقود عليه في التاريخ المحدد دون الحاجة إلى إثبات ملكيته للأصل، حيث لا يشترط أن يكون مالكًا له عند العقد[127] .


حكم هذا النوع: تبين لنا من خلال العرض السابق أن هذا العقد يشترط فيه تأجيل الثمن والمثمن، وحتى النسبة 10  التي تسلم هي في الواقع ضمان لتغطية الخسارة المحتملة في حال تخلف أي منهما عن الوفاء.

ولذلك فإن هذه العقود وإن كان لها شبه بالسلم من حيث إنها تصف محل البيع وصفًا دقيقًا، وتحدد لتسليمه موعدًا محددًا لاحقًا، لكن السلم بإجماع الفقهاء لا يجوز تأخير ثمنه عن ثلاثة أيام، بل الجمهور اشترطوا تسليمه في المجلس، والمالكية وحدهم أجازوا تأخيره إلى ثلاثة أيام ــ كما سبق ــ فالشريعة الإِسلامية لا تجيز التبادل إلا إذا تضمنت الصفقة قبض أحد العوضين على الأقل، ولذلك حكم البيان الختامي لندوة الأسواق المالية (بالمغرب) بأن هذه العقود باطلة، كما أنه لا يجوز إجراء أي تصرف آخر عليها.


البدائل: أعتقد أن البديل عن هذه المعاملة هو السلم بشروطه الشرعية وكذلك الاستصناع في السلع المصنعة، بل إن الأخير فيه مرونة أكثر من حيث تسليم العوضين، وذلك بأن توضع عقود نمطية خاصة بالسلع المصنعة، فيتفق التاجر مع المصنع عن طريق الوسيط لصنع الكمية المطلوبة، ويذكر في العقد المواصفات المطلوبة، والزمن والثمن، وحينئذ لا تحتاج إلى تسليم الثمن والمثمن عند العقد.

وكذلك يمكن أن نستفيد من عقد الجعالة، بأن يجعل فيه الشروط والمواصفات، ويصاغ العقد على شكل «الجعالة» بأن ينص فيه: «من أتى بكمية كذا من السلع الصناعية (كذا) في زمن (كذا) فإنه يعطى له مقابل كل طن (مثلاً) مبلغ كذا».

 

النوع الثاني: مستقبليات المؤشر:

وهذا النوع بدأ التعامل به منذ فبراير 1982م في بورصة مدينة كنساس سيتي الأمريكية، حيث بدأت بإبرام عقود البيع الاجل على الأسهم المتضمنة في مؤشر (value line) والذي يتضمن أسهم 1700 شركة.

فهذه العقود لا تتضمن القبض والتسليم لأي شيء سوى دفع المؤشر إلى الاخر، وذلك لأن المؤشر أمر مجرد مثل درجة الحرارة، وإنما المقصود به هو التسوية النقدية بين الحالين عند أول العقد، وعند نهايته[128].

وحكم هذا النوع واضح، وهو عدم الصحة والجواز، إذ لا يوجد المال المعقود عليه، وإنما كما يقول الدكتور محمد القرى: «إن هدف المقامرة هو المحرك الأساس لمثل هذه المعاملات، لذلك نجد أن توسعًا كبيرًا قد حصل في مستقبليات المؤشر حتى إنها أصبحت تشمل المتاجرة على مؤشر تكاليف المعيشة...»[129].

 

النوع الثالث: مستقبليات العملات الأجنبية:

حيث يتم من خلال التعاقد على تسليم قدر معين من عملة أجنبية ما في تاريخ لاحق محدد ثم يصبح بعد ذلك قابلاً للتداول، ومحققًا لعائد أو خسارة على حامله، وحكم هذا النوع أيضًا عدم الجواز، وذلك لأن التعامل في النقود (الصرف) يشترط فيه التماثل والتقابض في المجلس عند اتحاد الجنس، والتقابض في المجلس عند اختلافه، وفي هذا النوع اشترط فيه التأخير فلا يجوز ــ كما سبق ــ .

 

النوع الرابع: الخيارات على المستقبليات[130]:

حيث يجمع فيها الأمران، فيكون الحكم بعدم الصحة والجواز أوضح، وذلك أن هذه الاختيارات تتجه نحو الخيار على عقد البيع الاجل، وليس على السلعة، فهذا النوع يجري فيه تركيب العقود على العقود، حتى لا يظهر منه إلا جانب القمار، ولذلك فالحكم بعدم جوازه واضح. والله أعلم.

الديون : بيعها وتداولها في أسواق المال

انتشرت في أسواق المال منذ عام 1968م فكرة تداول الديون، ولا سيما الديون الطويلة الأجل وقليلة السيولة، وذلك من خلال بيعها إلى مالك جديد يقوم بعد شرائها بقبض أقساط التسديد والفوائد المترتبة عليها، وقد أمكن عن طريق تداولها تحويل هذه الديون إلى أصول سائلة.

وفي جميع الحالات تجعل هذه الديون على شكل عقود نمطية حيث يصدرها الدائن مع فوائدها على شكل أدوات قابلة للتداول، وموزعة على مجموعات متشابهة في مقدار المخاطرة، وتواريخ استحقاقها، ومعدلات الفوائد[131].


الحكم الشرعي لهذا النوع:

إن الحكم الشرعي لهذا النوع بصورته الحالية المتضمنة للفوائد هو الحرمة، لوجود الربا فيه، وليس لأنه من باب بيع الدين بالدين، لأن هذا العقد يتضمن بيع الدين بالنقد وليس بالدين ــ كما سبق ــ .


البديل عنه:

إذا جردنا هذا النوع من الفوائد والمحظورات الشرعية، فيمكن أن يحل بعض صيغة الحوالة التي تعني نقل الدين من مدين إلى مدين آخر، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: «إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل»[132]، ولكن الحوالة ــ كما لا يخفى ــ تقتضي نقل الدين من مدين إلى آخر[133]، وهذا العقد عبارة عن بيع من الدائن لاخر غير مدين، كما أنه يعاد بيعه في أكثر الأحوال ويتعامل معه كسلعة في السوق، ولذلك لا يمكن قياسه على الحوالة.

وهل هو عقد جديد؟ نعم، وحينئذ هل يحكم بصحته حتى لو جرد من الفوائد؟ الذي يظهر لنا هو أنه يتضمن بيع نقود (لم تقبض وليست في حيازة الدائن) بنقد معجل حال، فيتضمن حينئذ عدم التقابض بين النقدين، وهذا لا يجوز بالاتفاق لاشتراط التقابض بالاتفاق[134]، غير أنه يجوز التنازل في الديون بأن يحل شخص آخر محل الدائن برضا الاثنين، فيعطيه دينه بالكامل، وكذلك أجاز بعض الفقهاء الضمان بدون إذن المدين أيضًا، فيعطي الضامن حينئذ المبلغ المطلوب إلى الدائن، ويصبح هو دائنًا له[135].

وفي كل هذه الأحوال لا يجوز فيها النقص مقابل الأجل، وهذا ما عليه جماهير العلماء، غير أن بعض الفقهاء ــ منهم النخعي وأبو ثور وهو مروي عن ابن عباس ــ أجازوا ذلك وهي مسألة مشهورة بين الفقهاء باسم «ضع وتعجل»، حيث كيفوا المسألة على أساس التنازل، «فالدائن أخذ بعض حقه وترك بعضه برضا فجاز كما لو كان الدين حالاًّ»[136]، غير أن قاعدة «ضع وتعجل» لا تنطبق على هذا الموضوع، لأنها بين الدائن والمدين، والأمر هنا ليس كذلك، وإنما بين المدين وشخص آخر.

ويوجد حل آخر لما بين الدائن والمدين وهو إجراء المصارفة في الذمة، حيث أجاز جماعة من الفقهاء ــ منهم أبو حنيفة ووجه للحنابلة ــ أن يعطى شخص آخر نقدًا آخر غير النقد الذي هو دين، قال ابن قدامة: «فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً فقد توقف أحمد فيه، وقال القاضي: «يحتمل وجهين» الوجه الثاني: الجواز وهو قول أبـي حنيفة، لأنه ثابت في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، والصحيح الجواز إذا قضاه بسعر يومها»[137].

والخلاصة: أن التفكير المحرك لأسواق المال المعاصرة هو في كيفية الحصول على المال بأي طريق كان، وجذب أصحاب الأموال بأية صورة كانت، فلم يراع فيها حقوق الله تعالى، ولا القيم الأخلاقية الإِسلامية... لذلك فالحاجة ماسة إلى إقامة أسواق مالية إسلامية تراعى فيها الضوابط الشرعية، وتعنى بالتطورات العصرية. ولا شك أن إيماننا لا يزعزع بأن هذه الشريعة الخالدة الكاملة كفيلة بإسعاد البشرية وتحقيق الرحمة والخير للبشرية جمعاء، وفيها من القواعد والمبادىء الكلية ما تضمن الحفاظ على الثوابت مع مراعاة التطور والتقدم، وقد رأينا أن فقهنا العظيم يتضمن من العقود والأفكار الاقتصادية ما يمكن بناء صرح اقتصادي ولا سيما إذا انضم إليها جهود المعاصرين (من الفقهاء والاقتصاديين) ووجد العزم واتجهت النية والإِرادة إلى بناء وتحقيق جميع مؤسساتنا الاقتصادية على الإِسلام وشريعته الغرَّاء.

وكما رأت فكرة البنوك الإِسلامية النور، ونجحت ــ على الرغم من كل العقبات ــ فإن فكرة الأسواق المالية الإِسلامية سترى النور قريبًا إن شاء الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز، ولكل منا شرف كبير إذا ساهمنا في هذا المجال، بل هو واجب إسلامي ملقى على عاتقنا.

واللَّـهَ نسأل أن يوفقنا جميعًا لعمل الخير، وخير العمل، وبناء صرح إسلامي كامل للاقتصاد الإِسلامي، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.

 

 اعلى الصفحة





  1.   وردت أحاديث كثيرة تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلّم كان يشجع القبائل العربية على التحضر، ويمتنع المهاجر إلى المدينة من العودة إلى الحالة البدوية إلا لأسباب خاصة، فقد روى أحمد في مسنده (1/357)، وأبو داود في سننه ــ مع عون المعبود ــ كتاب الصيد (8/61) والترمذي ـــ مع تحفة الأحوذي كتاب الفتن (6/532) بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «من سكن البادية جفا...»، أي قسا قلبه وغلظ. ويراجع بحث الأستاذ الدكتور عثمان سيد أحمد عن الأمصار الإِسلامية، المنشور في حولية مركز الدراسات الإِنسانية بجامعة قطر.

  2.  سورة قريش: الايات 1 ــ 4.

  3.   سورة الفرقان: الاية 7.

  4.   سورة الفرقان: الاية 20.

  5.   سورة ق: الاية 33.

  6.   سورة الفتح: الاية 29.

  7.   الحديث رواه البخاري تعليقًا. انظر: صحيحه ــ مع الفتح ــ (4/309)، ورواه الترمذي في سننه ــ بشرح تحفة الأحوذي ــ كتاب البيوع (4/407)، وابن ماجه، كتاب التجارات (2/756).

  8.  التوصية الأولى من توصيات ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإِسلامية التي عقدت في الرباط بين 20 ــ 24/4/1410هـ بالمغرب.

  9.  لسان العرب، والقاموس المحيط، ومختار الصحاح، مادة (سوق).

  10.   سورة الفرقان: الاية 25، ويراجع تفسير الماوردي، ط وزارة الأوقاف الكويتية (3/149).

  11. سورة الفرقان: الاية 20.

  12.  صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ كتاب البيوع (4/321، 338، 342).

  13.   المصدر السابق/ كتاب الحج (3/593).

  14.    لسان العرب، والقاموس المحيط، ومختار الصحاح، مادة (مول).

  15.  يراجع: مجمع الأنهر (2/3)، وحاشية ابن عابدين (4/3)، والبحر الرائق (5/256 ــ 257)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 354)، وشرح المحلَّى على المنهاج مع حاشيتي القليوبـي وعميرة (3/28). ويراجع: الملكية ونظرية العقد، للأستاذ أحمد فراج، ط الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة (ص 6).

  16.  موريس سلامة: الأسواق المالية في العالم، ترجمة يوسف الشدياق، ط عويدات ببيروت وباريس 1983 (ص 5) ود. معبد الجارحي: المصارف الإِسلامية، والأسواق العالمية، بحث مقدم للمؤتمر الثالث للمصارف الإِسلامية في دبـي أكتوبر 1985م (ص 2).

  17.  المراجع السابقة.

  18.  المراجع السابقة.

  19.   سورة النساء: الاية 5.

  20.  السيرة الحلبية (3/354).

  21.   التراتيب الإِدارية (2/286).

  22.   كشف الظنون.

  23.   البيان الختامي والتوصيات لندوة الأسواق المالية التي عقدت بالرباط ي 20 ــ 25/4/1410هـ (ص 5).

  24.  تنبيه: في الأصل كنت تكلمت هنا عن الأسهم والسندات وبدائلهما بتفصيل، وحيث إن هذا الكتاب جمعت فيه عدة بحوث في الاقتصاد الإِسلامي، وكان منها بحث مستقل عن الأسهم بعنوان: «أحكام الأسهم وأنواعها على ضوء قواعد الفقه الإِسلامي»، ومنها: بحث مستقل عن السندات بعنوان «السندات وخصائصها وبدائلها»، ومنعًا للتكرار في هذا الكتاب، فقد حذفت ما جاء هنا عن الأسهم والسندات؛ واستثنيت الكلام على التعامل بالأسهم والسندات عن طريق الأسواق المالية (البورصة)؛ لضرورته. وأحيل القارىء الكريم في معرفة الأسهم والسندات إلى البحثين المشار إليهما أعلاه. أما بحث الأسهم فيأتي صفحة 169 وما بعدها، وأما بحث السندات فيأتي صفحة 316 وما بعدها.

  25.   د. وهبة الزحيلي: بحثه عن أحكام السوق المالية، المقدم إلى مجمع الفقه في دورته السادسة (ص 5)، ود. محمد عبد الغفار، بحثه (ص 35) والمصادر السابقة.

  26. يراجع في تفصيل القبض: القبض وصوره المعاصرة، للدكتور علي القره داغي، المقدم إلى مجمع الفقه في دورته السادسة.

  27.  دائرة المعارف (2/394)، والمعجم الوسيط (1/537) والمراجع السابقة.

  28.   د. محمد عبد الغفار: بحثه السابق (ص 36)، وعمل شركات الاستثمار الإِسلامية، لأحمد محيـي الدين، ط بنك البركة الإِسلامي ــ البحرين (ص 129)، ود. علي السالوس: المرجع السابق (ص 209).

  29.   المراجع السابقة.

  30.   د. محمد عبد الغفار: بحثه السابق (ص 31).

  31.   الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف الكويتية (9/37).

  32. د. محمد عبد الغفار: بحثه السابق (ص 31 ــ 32)، وحديث جابر في صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (5/314)، ومسلم (3/1221).

  33.  حاشية الدسوقي (3/63).

  34.  نفس المرجع السابق.

  35.  حديث: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الغرر»، رواه مسلم في صحيحه (2/1153)، وأبو داود في سننه (2/228)، وابن ماجه (2/739)، والترمذي (3/532)، والدارمي (2/167)، ومسند أحمد (1/302)، والموطأ (ص 164)، ويراجع التلخيص الحبير (3/6).

  36.  المجموع (9/258).

  37.   الحديث رواه أحمد في مسنده (3/401)، وأبو داود في سننه ــ مع شرح عون المعبود (9/401) والترمذي ــ مع شرح تحفة الأحوذي ــ (4/430) وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (5/132): «صحيح».

  38.   يراجع: حاشية ابن عابدين (4/208)، وشرح الخرشي (5/203)، وبلغة المسالك (2/538)، والغاية القصوى (1/497)، والمغني لابن قدامة (4/328).

  39.  صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (5/15).

  40.  الإِجماع لابن المنذر، ط رئاسة المحاكم الشرعية، قطر (ص 93).

  41.   رمز الحقائق شرح كنز الدقائق (2/56 ــ 57).

  42.   حاشية ابن عابدين (5/225).

  43.   المدونة (9/18)، والأم (2/116)، والإِنصاف (4/300)، ويراجع في تفصيل هذا العقد: كاسب عبد الكريم البدران: عقد الاستصناع، ط دار الدعوة بالإِسكندرية (54 وما بعدها).

  44.  المراجع السابقة.

  45.   المراجع السابقة.

  46.  د. محمد عبد الغفار بحثه السابق (ص 32).

  47.   بيع العربون، أو العربان هو أن يشتري الرجل شيئًا بمبلغ معين فيعطيه جزءًا منه (مثل دينار) عربونًا، ويقول: إن أخذته، وإلا فالدينار ــ مثلاً ــ لك. انظر: سنن ابن ماجه (2/739)، والمغني (4/256).

  48.  المغني لابن قدامة (4/256).

  49.  يراجع: الفتاوى الهندية (3/133 وما بعده)، وشرح الخرشي (5/78)، وحاشية الجمل على المنهج (3/72)، والمغني لابن قدامة (4/256 ــ 257).

  50.   سورة البقرة: الاية 188.

  51.  الحديث رواه أبو داود في سننه كتاب البيوع (9/398 ــ 400)، وابن ماجه في سننه (2/738)، ومالك في الموطأ (ص 377).

  52.  يراجع لتفصيل أدلة الفريقين: المغني لابن قدامة (4/256 ــ 257)، والمصادر الفقهية السابقة.

  53.  المرجع السابق (ص 33).

  54.  المراجع السابقة.

  55.   رواه أحمد في مسنده (1/398).

  56.  عمل شركات الاستثمار (ص 129)، والمراجع السابقة الأخرى.

  57.   يراجع في تفصيل ذلك كتاب الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي في المرابحة، ط دار القلم الكويت.

  58.  عمل شركات الاستثمار (ص 137)، ود. محمد عبد الغفار (ص 35)، والمراجع السابقة.

  59.   د. علي السالوس: المرجع السابق (ص 214).

  60.  المراجع السابقة جميعها.

  61.   المراجع السابقة أنفسها.

  62.   د. محمد القرى بن عيد: بحثه عن الأسواق المالية (ص 19 ــ 20).

  63.   يراجع: د. علي القره داغي: بحثه عن القبض وصوره المعاصرة، المقدم إلى مجمع الفقه الموقر في دورته السادسة.

  64.   د. محمد القرى، بحثه السابق (ص 30، 31).

  65.   الهامش الابتدائي يتعلق بالقرض لشراء الأسهم في اليوم الأول فقط، والهـامش الاستمـراري يتعلـق بـالقرض لمـا بعـد اليـوم الأول. المرجـع السابق نفسه.

  66. د. محمد القرى: بحثه السابق (ص 34 ــ 35).

  67.   المـرجـع السـابـق، ويـراجـع: د. معبـد الجـارحـي: بحثـه السـابـق (ص 18) وما بعدها.

  68.   المرجع السابق نفسه.

  69.  د. معبد الجارحي: بحثه السابق (ص 12)، والمراجع السابقة.

  70.   المراجع السابقة.

  71.  د. عبد المنعم محمد مبارك: النقود والصيرفة، ط الدار الجامعية (ص 3)، ود. علي السالوس استبدال النقود والعملات، ط فلاح (ص 165 ــ 168)، ود. علي القره داغي: القبض وصوره المعاصرة، السابق الإِشارة إليه.

  72.   يراجع في تفصيل موضوع السفتجة: السنن الكبرى للبيهقي (5/352)، والمغني لابن قدامة (4/354)، وتهذيب الأسماء النووي (2/49) حيث قال فيه: «السفتجة هي كتاب يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر ليعطيه ما اقترضه».

  73.    رواه أحمد في مسنده (2/82، 154)، وأبو داود في سننه ــ مع العون ــ كتاب البيع (9/203)، وابن ماجه في سننه بدون «سعر يومها» كتاب التجارات (2/760)، والنسائي، كتاب البيوع (6/282).

  74.  يراجع: حاشية ابن عابدين (5/340)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/325)، والأم (3/30)، والمغني لابن قدامة (4/354).

  75.   د. عبد الله عبد الرحيم العبادي: موقف الشريعة من المصارف الإِسلامية، ط المكتبية المصرية (ص 334).

  76.   قال ابن قدامة في المغني: «ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل»، ثم ذكر الأدلة على ذلك (4/94)، ويراجع: عقد الوكالة لمحمد رضا العاني، ط مطبعة العاني ببغداد (ص 242).

  77.   د. معبد الجارحي: بحثه السابق (ص 14)، والمراجع السابقة.

  78.   المرجع السابق نفسه.

  79.   نص الحديث في ذلك هو قول النبـي صلى الله عليه وسلّم: «ولا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والفضة بالفضة إلا سواء بسواء»، وفي رواية صحيحة أخرى بلفظ: «الذهب بالذهب ربًا إلاَّ هاء وهاء...». انظر لروايات الحديث: في صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (4/278 ــ 283)، ومسلم (3/1208 ــ 1212)، وأحمد (3/4، 5/49)، وسنن ابن داود ــ مع العون ــ (9/198 ــ 199)، وابن ماجه (2/757 ــ 758)، والترمذي (1/233)، والنسائي (7/240 ــ 245)، والسنن الكبرى (5/276 ــ 279)، ونيل الأوطار (6/340).

  80.   د. معبد الجارحي، بحثه (ص 14)، والمراجع الاقتصادية السابقة.

  81.   المراجع السابقة.

  82.   والأحاديث ذلك صحيحة وصريحة، انظر: المراجع الحديثية السابقة. ويراجع: فتح الباري (4/377 ــ 379)، ويراجع في تفصيل القبض: بحثنا في القبض وصوره المعاصرة.

  83.   الحديث في صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (4/399).

  84.   وقد ذكرنا الدليل على رجحان هذا الأصل عند الجمهور في رسالتنا: مبدأ الرضا في العقود، ط دار البشائر الإِسلامية (2/1148 وما بعدها).

  85.   د. معبد: المرجع السابق (ص 22).

  86.   المصدر السابق نفسه.

  87.   د. معبد الجارحي: بحثه (ص 23).

  88.  المرجع السابق نفسه، والمراجع السابقة.

  89.  يراجع في تفصيل ذلك كتاب: الخيار وأثره في العقود، للدكتور عبد الستار أبو غدة، ط، مطبعة مقهوي بالكويت 1985، حيث فصّل وأجاد.

  90.  كشف الأسرار (4/383)، وشرح التوضيح (2/196).

  91.   حاشية ابن عابدين على الدر المختار (4/507).

  92.  مواهب الجليل (4/245)، وشرح الخرشي (5/9)، وفتاوى السيوطي مخطوطة الأزهر رقم 131 فقه شافعي ورقة 143، وتحفة المحتاج (4/229)، وشرح الكوكب المنير (1/509)، والمحلَّى لابن حزم (9/258).

  93.  د. محمد القرى بن عيد: بحثه السابق (ص 35)، ود. محمد الحبيب الجراية: بحثه السابق (ص 28).

  94.   المراجع السابقة.

  95.  د. محمد القرى: بحثه السابق (ص 55).

  96.   مثال ذلك أن شركة مَّا أصدرت خيارات على أسهمها بسعر قدره عشرون ريالاً خلال مدة قدرها عشر سنوات، ثم تم بيع كل خيار بسعر خمسة ريالات، فلو فرضنا أن السعر في نهاية هذه المدة يصل إلى 50 ريالاً فإن المشتري قد حقق أكثر من 100 علمًا بأن أسعار تلك التعهدات ترتفع بنسبة أكبر من ارتفاع سعر السهم نفسه عندما يتجه إلى الارتفاع، وتنخفض أكثر عندما يتجه سعر السهم إلى الانخفاض فتكون خسارتها أكبر من خسارة الأسهم.

  97.   يراجع: د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 38 ــ 39).

  98.   حيث تصدر الشركات كثيرًا من هذه الخيارات مصاحبة للسندات، فيقبل عليها المستثمرون لأجل هذه السندات ذات الفائدة. المراجع السابقة.

  99.   د. محمد القرى: المرجع السابق نفسه.

  100.   المرجع السابق (ص 40).

  101.   المرجع السابق نفسه.

  102.   د. محمد القرى: بحثه السابق (ص 53).

  103.   د. محمد الجراية: المرجع السابق (ص 28 ــ 29).

  104.   د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 49 ــ 50)، ويراجع د. محمد الجراية المرجع السابق (ص 29 ــ 34).

  105.   د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 49، 50)، ويراجع د. محمد الجراية المرجع السابق (ص 29 ــ 34).

  106.  المراجع السابقة.

  107.   د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 42).

  108.   يراجع: د. عبد الستار أبو غدة: المرجع السابق.

  109.  حيث حددها الجمهور بثلاثة أيام، وآخرون بأكثر من ذلك.

  110.   بداية المجتهد (2/170).

  111.   ويراجع: حاشية ابن عابدين (4/562)، والشرح الصغير (2/71)، والغاية القصوى (1/491)، ومغني المحتاج (2/73)، والمغني (4/126)، ويراجع: مصطلح البيع في الموسوعة الفقهية الكويتية.

  112.  المغني مع الشرح الكبير (4/58).

  113.   يراجع: شرح الخرشي على مختصر خليل (5/7)، وتحفة المحتاج على المنهاج (4/322)، والمغني مع الشرح الكبير (4/58)، ونيل الأوطار (5/154).

  114.   د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 44).

  115.   المرجع السابق (ص 45).

  116.   انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي.

  117.  المنشور في القواعد للزركشي، ط الكويت (2/55).

  118.   المصدر السابق نفسه، ويراجع د. عبد الستار أبو غدة: المرجع السابق (1/317).

  119.   حاشية ابن عابدين (4/14)، ط دار إحياء التراث العربـي بيروت.

  120.   د. وهبة الزحيلي: بحثه عن: بيع الاسم التجاري والترخيص، المقدم إلى مجمع الفقه الإِسلامي في دورته الرابعة، وكذلك بحوث الأساتذة حول هذا الموضوع التي قدموها إلى الدورة السابقة، وهي بحوث: د. عبد السلام العبادي، وأ.د. يوسف محمود قاسم، ود. حسن عبد الله الأمين، والشيخ محمد تقي العثماني، ود. عجيل النشمي، وغيرهم.

  121.   د. محمد القرى: المرجع السابق (ص 47).

  122.   يراجع: حاشية ابن عابدين (4/15) وتراجع بحوث الأساتذة: د. وهبة الزحيلي، ود. محمد سليمان الأشقر، وإبراهيم الدبو، ود. محيـي الدين قادي، ومحمد علي تسخيري، حول بدل الخلو، المقدمة إلى مجمع الفقه في دورته الرابعة.

  123.   وهذا مدلول عليه بالحديث المتفق عليه. انظر: صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (4/379 ــ 383)، ومسلم (3/1208).

  124.   المراجع السابقة، ويراجع: البيان الختامي والتوصيات لندوة الأسواق المالية من الوجهة الإِسلامية (ص 10 ــ 11) المنعقدة بالرباط في 20 ــ 25 ربيع الاخر 1410هـ.

  125.   البيان الختامي والتوصيات لندوة الأسواق المالية بالرباط/ السابق (ص 11)، ود. محمد القرى: بحثه السابق (ص 55).

  126.   د. محمد القرى: بحثه السابق، والمراجع السابقة.

  127.  المراجع السابقة.

  128.   د. محمد القرى: بحثه السابق (ص 64).

  129.  بحثه السابق (ص 65 ــ 66).

  130.   يراجع المراجع السابقة في هذا الموضوع.

  131.   د. محمد القرى: بحثه السابق (ص 70).

  132.   الحديث متفق عليه، وله روايات وطرق كثيرة. انظر: صحيح البخاري ــ مع الفتح ــ (4/464)، ومسلم (3/1197)، وسنن أبـي داود ــ مع العون (9/195)، والترمذي ــ مع التحفة (4/535)، وابن ماجه (2/803)، والسنن الكبرى (6/70)، والنسائي (7/278)، ومسند أحمد (2/463)، والأم (3/203) و «فليحتل» أي فليتبع.

  133.   قال ابن قدامة في المغني (4/579): «الحوالة إنما تكون بدين على دين».

  134.   المغني (4/59) حيث نقل الإِجماع عن ابن المنذر.

  135.  المغني (4/591 ــ 607) وقال: «فمتى أدى رجع عليه، سواء قال: أضمن عني، أو لم يقل» وهذا رأي مالك، وإسحاق ورواية عن أحمد. ويراجع القوانين الفقهية (ص 320).

  136.  يراجع: المغني لابن قدامة (4/56).

  137. المغني لابن قدامة (4/55 ــ 56)، وحاشية ابن عابدين (4/173 ــ 176 وما بعدها).

اعلى الصفحة

 

احصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم596
mod_vvisit_counterالامس1121
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع6603
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي 9703
mod_vvisit_counter هذا الشهر22257
mod_vvisit_counter الشهر الماضي43044
mod_vvisit_counterالكل1220037

الخطب

خطب 2010
خطب 2011
خطب 2010
خطب 2009
خطب 2008
خطب 2007

تحميل ملفات