مرحبا بكم في الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور على محيي الدين القره داغي الحل الرابع : عن طريق التخارج
الموقع الإلكتروني الرسمي
فضيلة أ.د على محيي الدين القره داغي


التصويت

ما رأيك في التصميم للموقع
 

English Articles

Bioethics seminar adopts Qaradaghi’s proposal linking them to Shariah purposes

A bioethics seminar has recently adopted the proposal by IUMS Secretary General Dr. Ali Al-Qaradaghi linking the general principles of medical and biological ethics to the objectives of Shariah instead of the prevailing four principles.

 
Protecting the environment, inspired by faith

Interfaith leaders highlighted the important link between faith and good environmental stewardship at a seminar in the Qatar National Convention Centre. The seminar was presented by Muslim and Christian leaders, a leader from the Brahma Kumaris spiritual tradition and a scientific researcher from the Gulf Organisation for Research and Development.

 
Alqaradaghi: Objective journalism facing new challenges

Journalism is a noble profession and objective journalism is facing new challenges in the region, said Dr. Ali Muhiyudeen Alquradagi, the General Secretary of the International Islamic Scholars’ Union.



الحل الرابع : عن طريق التخارج PDF طباعة
أثر ديون ونقود الشركة ، على حكم تداول الأسهم
الخميس, 18 حزيران 2009 12:58

 

 والتخارج لغة مصدر تخارج ، والتخارج تفاعل من الخروج ، فيقال تخارج الشركاء أي تمّ بينهم التخارج ، كأنه يخرج كل واحد من شركته عن ملكه إلى صاحبه بالبيع ، وتخارج القوم إذا خرج كل واحد منهم نفقة على قدر نفقة صاحبه ، وهو التناهد [1]،وفي حديث ابن عباس أنه قال : ( يتخارج الشريكان وأهل الميراث ) [2]، قال أبو عبيد في تفسير رأي ابن عباس : ( يقول إذا كان المتاع بين ورثة لم يقتسموه ، أو بين الشركاء وهو في يد بعضهم دون بعض فلا بأس أن يتبايعوه وإن لم يعرف كل واحد نصيبه بعينه ولم يقبضه البائع ، قال : ولو أراد رجل أجنبي أن يشتري نصيب بعضهم لم يجز حتى يقبضه البائع قبل ذلك ) [3].

  فعلى ضوء تفسير أبي عبيد هذا فالتخارج هو نوع من التبايع بين الشركاء والورثة يتسامح فيه عن الجهالة وعن عدم القبض في حين لا يتسامح بمثل هذا في البيع فيما بين غيرهم .

وهناك تفسير آخر وهو ما رواه عبدالرزاق الصنعاني بسنده عن ابن عباس حيث قال : ( لا بأس بأن يتخارج القوم في الشركة تكون بينهم ، فيأخذ بعضهم من الذهب الذي بينهم ، يأخذ هذا عشرة نقداً ، ويأخذ هذا عشرين ديناراً )[4]

 وهذا التفسير يدل على أن التخارج غير البيع ، وإنما هو تصالح يغتفر فيه عن الزيادة والنقصان ولا تطبق عليه قواعد الصرف ، بل ورد في رواية الزهري بسنده عنه بلفظ ( فيأخذ هذا عشرة دنانير نقداً ويأخذ هذا عشرة دنانير ديناً )[5] ، وهذا نص في عدم التماثل ، وعدم التقابض ، مما يدل على أن التخارج بين الشركاء والورثة يتسامح فيه ذلك ، وهذا يؤكد أن للاجتماع والاختلاط أثراً لا يوجد في حالة الانفراد ، كما أنه يتسامح في غير البيع من التخارج والتصالح ما لا يتسامح فيه .

 وهناك رواية أخرى عن الثوري بسنده عن ابن عباس أنه قال : ( لا بأس أن يتخارج الشريكان فيأخذ هذا ديناً ، وهذا عيناً ، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه )[6] .

 وقال عبدالرحمن بن مهدي : ( التخارج أن يأخذ بعضهم الدار وبعضهم الأرض ، قال شمر : قلت لأحمد : سئل سفيان عن أخوين ورثا صكاً من أبيهما فذهبا إلى الذي عليه الحق فتقاضاه ، فقال : عندي طعام ، فاشتريا مني طعاماً بما لكما عليَّ ، فقال أحد الأخوين : أنا أخذ نصيبي طعاماً وقال الآخر : لا آخذ إلاّ الدراهم فأخذ أحدهما منه عشرة أقفزة بخمسين درهماً نصيبه ، قال جائز ، ويتقاضاه الآخر ، فإن توى ما على الغريم رجع الأخ على أخيه بنصف الدراهم التي أخذ ، ولا يرجع بالطعام ، قال أحمد : لا يرجع عليه بشيء إذا كان قد رضي به ، والله أعلم )[7] .

 وأما التخارج في الاصطلاح الفقهي فخصصته  الموسوعة بالإرث حيث قالت : ( هو أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم )[8] ، ولا دليل على هذا التخصيص لا في اللغة ولا في الفقه ، أما اللغة فقد رأينا أن لفظ التخارج يطلق على التصالح فيما بين الورثة ، أو بين الشركاء سواء كانت الشركة في ملك أو عقد .

 وأما الفقه فقد رأينا أن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قد استعمله في التخارج بين الشريكين إضافة إلى الورثة ، كما استعمله الحسن ، والثوري ، ومعمر ، وإبراهيم النخعي وعطاء ، وابن سيرين [9].

  وعلى ضوء ذلك فالتخارج هو خروج أحد المشتركين ، أو أكثرـ سواء كان شركة ملك أو عقد ـ عن حقه بمال بالتراضي بينهما .

  وهذا التعريف يشمل الورثة الذين هم مشتركون في الإرث شركة ملك ، كما يشمل الشركاء الآخرين سواء كانت الشركة شركة عنان ، أو مفاوضة ، أو مضاربة ، أو أبدان ، أو وجوه ، أو نحو ذلك ، كما يشمل أصحاب الأسهم والمشاركين في الصناديق الاستثمارية عن طريق الوحدات الاستثمارية ، وكذلك أصحاب الصكوك المشروعة .

 

التكييف الفقهي للتخارج وحكمه الشرعي :

  التخارج نوع من الصلح ، أو بعبارة أدق فهو أخص منه لأن التخارج خاص بالتخارج بين الشركاء والورثة في الأموال في حين أن الصلح أعم من ذلك ، ولذلك فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة على مشروعية الصلح تدل على مشروعية التخارج ، ولذلك ترجم البخاري في كتاب الصلح : باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك ، وقال ابن عباس : ( لا بأس أن يتخارج الشريكان فيأخذ هذا ديناً ، وهذا عيناً ، فإن توى لأحدهما لم يرجع على صاحبه ) ثم روى بسنده حديث جابر بن عبدالله في أداء ديون أبيه [10]، وقد شرح الحافظ ابن حجر لفظ " والمجازفة في ذلك " فقال : ( أي عند المعاوضة … ، ومراده أن المجازفة في الاعتياض عن الدين جائزة وإن كانت من جنس حقه وأقل ، وأنه لا يتناوله النهي ، إذ لا مقابلة من الطرفين )[11] ، وقوله " توى " بفتح التاء وكسر الواو أي هلك ، والمراد أن يفلس من عليه الدين ، أو يموت ، أو يجحد فيحلف حيث لا بينة ففي كل ذلك لا رجوع لمن رضي بالدين[12] .

  ثم ذكر البخاري باب الصلح بالدين والعين ، فروى بسنده عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد ديناً كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فخرج رسول صلى الله عليه وسلم إليهما حتى كشف سجْف حجرته فنادى : كعب بن مالك  ، فقال : يا كعب ، فقال : لبيك يا رسول ، فأشار بيده أن ضع الشطر ، فقال كعب : قد فعلت يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم فاقضه )[13].    

 والحديث يدل على التصالح بين الدائنين ، وبأن يتخارج المدين عن دينه بأداء النصَف ، وتنازل الدائن عن نصفه الآخر ، قال ابن بطال : ( اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمه عن دراهم بدراهم أقل منها جاز إذا حلّ الأجل )[14].

  قال الحافظ ابن حجر : ( والحديث يدل على جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدين  ـ خلافاً لمن كرهه من المالكية ـ واعتلَّ بما فيه من تحمل المـنّة ، وقال القرطبي : لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى ، وفيه هبة المجهول )[15] .

  ومما هو مرتبط بهذا الموضوع مسألة " ضع وتعجل " أي أن الدائن يقول لمدينه : احسم جزءاً من الدين ، ولكن تعجل بأداء الدين ، أو يقول المدين للدائن : احسم 10% من دينك وأتعجل لك الباقي ، فيوافق الطرف الآخر ، وقد أجازه مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السابعة مسألة " ضع وتعجل " إذا لم تكن مشروطة قال العلامة ابن السبكي : ( إن جرى بشرط بطل ، وإن لم يشترط بل عجل بغير شرط وأبرأ الآخر وطابت بذلك نفس كل منهما فهو جائز وهذا مذهبنا ، وقد رويت آثار في الإباحة والتحريم يمكن تنـزيلها على ما ذكرناه من التفصيل )[16] . أي الفرق بين المشروط وغيره .

جواز المجازفة في الربويات وفاءً لا ابتداءً :       

  ترجم البخاري " باب إذا قاصَّ ، أو جازفه في الدين تمراً بتمر أو غيره " ثم روى بسنده عن جابر بن عبدالله : ( أن أباه قد توفي وترك عليه ثلاثين وسقاً لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى ، فكلّم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له إليه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلّم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالتي له فأبى … ثم قال لجابر: جُدَّ له ، فأوف له الذي له … )[17].

 قال المهلب : ( لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر من غريمه تمراً مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر ، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ ذلك ورضي) ، قال الحافظ بن حجر معلقاً على هذا الشرح : ( وكأنه أراد بذلك الاعتراض على ترجمة البخاري ، ومراد البخاري ما أثبته المعترض ، لا ما نفاه ، وغرضه بيان أنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداءً ، لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا ، ويجوز في المعاوضة عند الوفاء ، وذلك بيِّنٌ في حديث الباب ، فإنه صلى الله عليه وسلم سأل الغريم أن يأخذ تمر الحائط وهو مجهول القدر في الأوساق التي هي له وهي معلومة ، وكان تمر الحائط دون الذي له كما وقع في التصريح بذلك في كتاب الصلح من وجه آخر ، وفيه : ( فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء ….  وقال ابن المنير : ( بيع المعلوم بالمجهول مزابنة  فإن كان تمراً نحوه  فمزابنة وربا ، لكن اغتفر ذلك في الوفاء ، لأن التفاوت متحقق في العرف فيخرج عن كونه مزابنة )[18] .

  وإضافة إلى هذه الأدلة فيمكن أن يستأنس للتخارج أيضاً ما روي أن عبدالرحمن بن عوف طلق زوجته تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته ، ثم مات وهي في العدة فورثها عثمان مع ثلاث نسوة أُخر ، فصالحوها عن ربع ثمنها على ثلاثة وثلاثين ألفاً … )[19] .

  وتلك الأدلة السابقة تدل بوضوح على أن الصلح أو التخارج يتسامح فيه وبما لا يتسامح في البيع العادي ، كما أنه يغتفر في الوفاء ما لا يغتفر في الابتداء ، فقد رأينا أن هذه الأدلة دلت بوضوح على ما يأتي :      

1. جواز الحطيطة من الدين عند الوفاء ، وجواز " ضع وتعجل " مع أن ذلك لا يجوز ابتداءً أن يعطى مبلغاً بأقل منه بالإجماع ، في حين دلّ حديث كعب بن مالك على خروجه من الدين بالنصف فقط .

2. جواز المجازفة والتخمين في الأموال الربوية مثل التمر ونحوه في الوفاء والقضاء كما في حديث جابر ـ وهذا لا يجوز في غيره .

3. دلّ قول ابن عباس على التخارج بين كل شريكين بما يتراضيان به ، حيث تدلّ أقواله على أنه  يجوز لأحد الشركاء عند التخارج أن يأخذ أقل من حقه من الشركة ، أو أكثر من حقه منها ويخرج منها من النقود والديون وغيرهما ، لأن المخارجة مصالحة وهي جائزة على الأقل وعلى الأكثر ولا تطبق عليها قواعد الصرف ونحوها [20].

 

 

هل التخارج أو الصلح عقد مستقل ؟

لا شك أن التخارج نوع من الصلح ، وهل هو عقد مستقل ؟

 ذهب جمهور الفقهاء إلى أن عقد الصلح ( ومنه التخارج ) ليس عقداً مستقلاً قائماً بذاته في شروطه وأحكامه ، بل هو متفرع عن غيره في ذلك ، بمعنى أنه تسري عليه أحكام أقرب العقود إليه شبهاً بحسب محتواه .

وعلى ضوء ذلك فالصلح إذا كان عن مال بمال فهو في حكم البيع ، والصلح عن مال بمنفعة إجارة ،والصلح عن نقد بنقد صرف ، أو له حكم الصرف ، والصلح عن مال معين بمال موصوف في الذمة في حكم السلم ، والصلح في دعوى الدين على أن يأخذ المدعي أقل من المطلوب يعتبر هبة ببعض الحق وإبراء عن الباقي .

 وثمرة هذا التكييف أنه حينئذ تطبق على الصلح أحكام ذلك العقد الذي هو في حكمه من حيث الشروط والآثار ، وهذا مبني على أن الاعتبار في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالصور والألفاظ والمباني[21] .   

  والذي يظهر لي رجحانه أن الصلح عقد مستقل وإن كان له شبه في بعض أنواعه ببعض العقود ، كما هو الحال في الإجارة حيث فيها معنى بيع المنفعة ،ومع ذلك فهي عقد مستقل له أحكامه وشروطه الخاصة ونتائجه وآثاره ، وذلك لما يأتي ـ بإيجاز ـ :

1. أن الصلح له معناه الخاص في اللغة والعرف فليس هناك شبه أو تداخل بينه وبين العقود التي ذكروها ، وحتى في الفقه الإسلامي لم يعرف الصلح بأنه بيع ، أو صرف ، أو إجارة ، وإنما له تعريف خاص وهو( معاقدة يرتفع بها النـزاع بين الخصوم ، ويتوصل بها إلى التوافق بين المختلفين)[22] .

 قال النووي : مبيناً أن مثل هذه التعاريف للصلح ليست حداً جامعاً ( فسره الأئمة بالعقد الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين ، وليس هذا على سبيل الحدّ ، بل أرادوا ضرباً من التعريف )[23]. وقد ذكر النووي رحمه الله أن الصلح يخالف البيع في صور ، وذكر منها خمساً [24]، كما أن بعض المحققين من الفقهاء لم يستطيعوا الجزم بأن الصلح بيع مثلاً وإنما قالوا : له شبه بالبيع[25] وهذا لا ينكر ولكن لا يجعله نفس المشبه به .

2. فإذا كان الصلح مختلفاً عن البيع وبقية العقود من حيث المعنى اللغوي ، والعرفي ، والشرعي فكيف يكون تبعاً لها ، بل إن القرآن الكريم قد عمم معناه حيث قال العلماء في تفسير قوله تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلاّ مَنْ أمر بصدقة ، أو معروف ، أو إصلاح بين الناس )[26]. قال ابن رشد : ( الجد ) وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض ، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين … وهو من نوافل الخير المرغوب فيها المندوب إليها… )[27] .

 وقد خصص معظم كتب السنة كتاباً ، أو أبواباً خاصة بالصلح فهذا الإمام البخاري عقد كتاباً خاصاً بالصلح وذكر فيه أربعة عشر باباً يشمل واحداً وثلاثين حديثاً ، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث واحد ، كما شمل ثلاثة آثار عن الصحابة ومن بعدهم[28]، وقد تضمنت هذه الأحاديث مجموعة من الأحكام تختلف عن أحكام البيع ، وغيره ، بل قد صرح الفقهاء بعمومية الصلح قال ابن قدامة ( ويصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز بيعه ، أو لا يجوز )[29] .

3. ومن جانب آخر فإن للصلح خصوصية حيث يقوم على حسم النـزاع عن طريق التراضي بالمعروف ، ولذلك كان الرسول "صلى الله عليه وسلم" يشير إلى المتخاصمين بالصلح فإن أبيا حكم عليهما بالحكم البيّن[30] .

 وقد عقب الرسول "صلى الله عليه وسلم" حينما سمع صوت الخصوم بالباب أحدهما يسترفق الآخر ويطالبه بالتصالح والآخر يقول " لا والله لا أفعل " ، فخرج رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فقال : ( أين المتألى على الله : لا يفعل المعروف؟ ) فقال أنا يا رسول الله ، فله أي ذلك أحبّ [31].

  فالصلح يقوم على المعروف والخير والتنازل على عكس بقية العقود المالية ، أو غيرها التي تقوم على أساس المساومة والحقوق المتقابلة .

4. إن قولنا باستقلالية عقد الصلح لا يتعارض مع تشابه بعض أنواعه مع بعض العقود الأخرى في بعض الأحكام .

5. أن الأصل في استحداث العقود الجديدة والشروط هو الإباحة لا الحظر عند جمهور الفقهاء كما أثبتناه في رسالتنا الدكتوراه[32] .

 ويترتب على هذا التكييف أنه ينبغي أن ينظر إلى الصلح باعتباره عقداً مستقلاً وليس تبعاً ، وحينئذ يكون له شروطه الخاصة ، وأحكامه وآثاره الخاصة دون إخضاعه لشروط أيَّ عقد آخر إلاّ إذا كان هذا قد دلّ على أن أنه شرط للصلح .

 وبهذا التكييف نستطيع أن نـزيل كثيراً من الشروط الخاصة بتلك العقود المشابهة ، التي أدت إلى  إخضاع الصلح لها تعسفاً ، كما سنرى . 

 

شروط صحة التخارج :

هناك شروط متفق عليها ، وشروط مختلف فيها قابلة للنقاش ، فمن الشروط المتفق عليها ما يأتي :

الشرط الأول : أن يكون المتخارجان مكلفين لهما أهلية الأداء .

الشرط الثاني : أن يكون المال المتخارج منه مملوكاً لهما ، أو أن يكون لهما ولاية شرعية أو قضائية ، أو عقدية ، فالأب أو الجد أو الوصي له الحق في التخارج فيما يخص أموال الأولاد ولكن فيما له حظ في المولى عليه ، وكذلك الوكيل ولكن في حدود الوكالة .

الشرط الثالث : أن يكون المتخارج منه مما يصح الاعتياض عنه ، أما إذا كان لا يصح الاعتياض عنه فلا يصح التخارج عليه ، ولا الصلح عنه[33] .

 

وأما الشروط المختلف فيه فهي :

الشرط الأول : أن يكون محل التخارج معلوماً هذا عند المالكية والشافعية ، وذلك لأنه بمثابة البيع وإن كان في صورة الصلح وبيع المجهول لا يجوز .     

وأما الحنابلة فقالوا : يصح الصلح عن المجهول سواء كان عيناً ، أو ديناً إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته ، فأما ما يمكنهما معرفته أو الذي هو عليه كتركة موجودة فلا يصح الصلح عليه مع الجهل ، لأنه إنما أحيل مع الجهل للحاجة إليه لإبراء الذمم وإزالة الخصام ، قال أحمد في الرجل يصالح على الشيء ، فإن علم أنه أكثر منه لم يجز إلاّ أن يوقفَه عليه إلاّ أن يكون مجهولاً لا يدري ما هو ؟ ونقل عنه عبدالله إذ اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا ، فإن عرف قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطى كل واحد منهما قيمة ماله إلاّ أن يصطلحا على شيء ويتحالاّ )[34].

ولم يشترط الحنفية العلم بالمتخارج منه إذا كان لا يحتاج إلى القبض والتسليم ، وأما إذا كان محتاجاً إليه فلا بدّ من العلم ، لأن جهالة البدل حينئذ تؤدي إلى النـزاع[35] . 

  والذي نرى رجحانه هو عدم اشتراط العلم بمحل التخارج ما دام العلم به عسيراً فيه حرج ، لأن الصلح أو التخارج غير البيع الذي يقوم على المساومة وذلك لأن التخارج أساسه على التراضي والمسامحة ، لكنه لا يجوز أن يُخفى أحدهما معلومات عن المتخارج عنه من حيث الصفات والكيف والكم ونحوهما ، لأن ذلك يؤدي إلى الغش والتحايل .

 ويدل على ذلك ما رواه أحمد وأبو داود بسندهما عن أم سلمة قالت : ( أتى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينّة إلاّ دعواهما ، فقال رسول "صلى الله عليه وسلم" : ( إنكم تختصمون إليّ ، وإنما أنا بشر  … فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار … ) فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما حقي لأخي ، فقال رسول الله "صلى الله عليه وسلم" ( أما إذْ قلتما ، فاذهبا ، فاقتسما ، ثم توخيا الحق ، ثم استهما ، ثمّ ليحلل كل واحد منكما صاحبه ) وفي رواية أبي داود بلفظ ( ثم استهما ، وتحالا )[36] . ( وقوله " ثم استهما " أي اقترعا لتعيين الحصتين إن وقع التـنازع بينكما ليظهر أي القسمين وقع في نصيب كل منهما ، وليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة ، قاله القاري" وقوله " ثم تحالا " بتشديد اللام ، أي ليجعل كل واحد منكما صاحبه في حلّ من قبله بإبراء ذمته)[37].

 ويدل على ذلك الأثر الذي ذكرناه عن عثمان رضي الله عنه وحكمه في مسألة تماضر ، وخروجها عن حقها في الإرث بمبلغ من المال .

 والحديث هذا رواه أحمد ، كما رواه أبو داود والمنذري وسكتا عنه ، ولكن في اسناده أسامة بن زيد بن أسلم المدني مولى عمر ، قال النسائي وغيره ليس بالقوي ولكن بعض نقاد الحديث قالوا : إنه صالح ، قال البخاري : ( ضعّف علي بن المديثي عبدالرحمن بن زيد ، وأما أخواه أسامة وعبدالله فذكر عنهما صلاحاً ) علماً بأن من قال ليس بالقوي قال من جهة الحفظ وليس من جهة الدين ، ولذلك روى عنه ابن المبارك وابن وهب ، والضبي وغيرهم[38] .       

ولذلك ينهض الحديث حجة على هذا الموضوع ولا سيما أن أصل الحديث ـ كما يقول الشوكاني ـ في الصحيحين[39] .

  والحديث يدل على جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما ، كما قال الحافظ مجد الدين عبدالسلام بن تيمية حيث ترجم في أول أبواب الصلح : باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما ، ثم ذكر الحديث السابق[40] .

 ثم إن الصلح هذا في حقيقته إسقاط حق فصح في المجهول كالعتاق والطلاق ، قال ابن قدامة :(ولأنه إذا صح الصلح مع العلم وإمكان أداء الحق بعينه،فلأن يصح مع الجهل أولى،وذلك لأنه إذا كان معلوماً فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه ومع الجهل لا يمكن ذلك ، فلو لم يجز الصلح أفضى إلى ضياع المال على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه)[41] .

 واستدلال المانعين بأنه بيع مردود ، بأن التخارج ( أو الصلح ) ليس بيعاً ، ولا في معنى البيع ، وإنما هو في حقيقته إبراء وإسقاط ، وحتى لو كان في معنى البيع فإن البيع تتسامح فيه الجهالة ما دامت لم تؤد إلى النـزاع ، والتخارج مبناه على تراضي الطرفين فكيف يؤدي ذلك إلى المنازعة ، قال ابن قدامة : ( ولا نسلم كونه بيعاً ولا فرع بيع ، وإنما هو إبراء ، وإن سلمنا كونه بيعاً فإنه يصح في المجهول عند الحاجة بدليل بيع أساسات الحيطان … وما مأكوله في جوفه ، ولو أتلف رجل صبرة طعام لا يعلم قدرها فقال صاحب الطعام لمتلفه بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذه الدراهم ، أو بهذا الثوب صح )[42] .

الشرط الثاني : التقابض في المجلس إذا كان التخارج بالنقود من الطرفين كالتخارج عن أحد النقدين بالآخر ، وكذا فيما إذا اتفق محل التخارج من الطرفين طعاماً ، أو تتوافر فيه علة الربا فإن جمهور الفقهاء اشترطوا التقابض في المجلس من حيث المبدأ وإن اختلفوا في التفاصيل وقد عللوا هذا الاشتراط بأن الصلح حينئذ بيع وصرف فيجب توافر شروطه فيه ، ولكن الذي يرد على ذلك أنه لو كان حينئذ بيعاً وصرفاً لاشترط التماثل أيضاً مع أنه لا يشترط التماثل عندهم كما يقول لو كان على رجل ألف درهم ، فصالح عليه فخرج بخمسمائة درهم فهذا جائز عند الحنفية ، والمالكية ،والشافعية [43]. 

  إذ هو أخذ لبعض حقه وإسقاط لباقيه ، وإبراء للمدعى عليه عن بعض الدين ، وهذا ما جاء في المادة 1044 من مرشد الحيران حيث نصت على أن ( لربّ الدين أن يصالح مديونه على بعض الدين ، ويكون أخذاً لبعض حقه وإبراء عن باقيه ).

  ولا يختلف الحكم عند الحنابلة إلاّ أنهم اشترطوا أن تكون البراءة مطلقة من  غير شرط ، أما لو قال : أبرأتك عن النصف على أن توفيني ما بقى بطل ، لأنه ما أبرأه عن بعض الحق إلاّ ليوفيه بقيته واشترطوا كذلك في رواية بأن يكون ذلك بلفظ الإبراء دون لفظ الصلح[44] .

 والشافعية أجازوا بألفاظ الإبراء والحط ونحوهما ، كالإسقاط والهبة ، والترك ، والاحلال والتحليل  ، والعفو والوضع ، ولا يشترط عندهم القبول على المذهب سواء قلنا إن الإبراء تمليك أم إسقاط[45] .

 وعدم اشترط التماثل في الصلح محل اتفاق لأنه إنما يكون صلحاً إذا كان فيه تنازل وتسامح ، وقد وردت بذلك أحاديث منها حديث كعب بن مالك الذي أشار إليه النبي "صلى الله عليه وسلم" أن يضع الشطر من دينه قال : قد فعلت .. .[46]  وإنما قصدي من ذلك أن الصلح له طبيعة خاصة لا ينبغي فرض تكييف آخر عليه ، فالصلح ليس بيعاً وإن كان فيه بعض الشبه في بعض أنواعه .

 ومن جانب آخر أين قبض الدين في حالة الصلح وهو في الذمة ؟ وأين الخوف من الربا والزيادة ، والمتخارج يخرج بحطيطة ونقص ؟

 والخلاصة أن مسألة التقابض في المجلس لا تشكل مشكلة بالنسبة للتخارج في الأسهم ، والوحدات الاستثمارية ، لأنها ليست نقوداً محضة في موضوعنا هذا ، وما دامت ليست نقوداً محضة فإن التخارج منها بالتراضي جائز دون مراعاة التقابض في المجلس إلاّ إذا كان القصد التحايل على أحكام الصرف فهذا غير جائز ، فقد أجاز ابن تيمية مسألة "مد وعجوة" إذا لم يكن القصد منها التحايل كما سبق .

الشرط الثالث : توافر شروط بيع الدين عند التخارج من الديون،هذا ما اشترطه جماعة من الفقهاء،ولا أرى لذلك وجهاً لأنه حينئذٍ ليس بيعاً للدين،وإنما هو صلح وإبراء وإسقاط،فلنذكر بعض ما قاله الفقهاء في هذا المجال حيث إن الصلح عن الدين نوعان:صلح إسقاط وإبراء وحطيطة،وصلح معاوضة .

فالأول هو الذي يجري على بعض الدين المدعى وله صور منها :

أ . أن يكون الدين حالاً فيصالحه مثلاً على الألف الحال على خمسمائة حالة وهذا جائز عند الجمهور كما ذكرناه في الشرط السابق .

 وهذا أكبر دليل على أن هذا ليس بيع الدين،لأنه لو كان بيع الدين لما جاز النقص،لأنه يؤدي إلى الربا قطعاً .   

ب . أن يكون الدين مؤجلاً فيصالحه على خمسمائة معجله ، وهذا ما يسمى بمسألة "ضع وتعجل" وهي غير جائزة عند الجمهور ن وجائزة عند ابن عباس رضي الله عنه ، وإبراهيم النخعي ، وزفر من الحنفية ، وأبي ثور من الشافعية ، وهو مروي عن عبدالله بن عمر ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهما ، وعن محمد بن سيرين ، والحسن البصري ، وابن المسيب والشعبي رحمهم الله[47] وهذا رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ، والعلامة ابن القيم[48] .

 وقد قال ابن القيم في سبب جوازه : ( لأن هذا عكس الربا ، فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل ، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض العوض في مقابله سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما ، ولم يكن هذا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفاً …  ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله:(إما أن تربي،وإما أن تقضى)وبين قوله:( عجل لي وأهب لك مائة)،فأين أحدهما من الآخر،فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع،ولا قياس صحيح )[49] .

 ولا أدخل في تفاصيله حيث حسمه مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم ( 66/2/7 ) الذي نصّ على أن ( الحطيطة من الدين المؤجل لأجل تعجيله سواء كانت بطلب الدائن ، أم المدين " ضع وتعجل " جائزة شرعاً لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناءً على اتفاق مسبق وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية… ).

ج . أن يكون الدين حالاً فيصالحه على التأجيل فقط مع بقاء الدين بحاله وهو أيضاً محل خلاف بين الفقهاء حيث أجازه جماعة منهم الحنفية ، ومنعه الآخرون[50] .

د . أن يكون الدين حالاً كألف دينار فيصالحه على الحط والتأجيل ، أي يدفع له بعد سنة مثلاً خمسمائة دينار فقط ، وهذا جائز عند الحنفية ، والمالكية ، وبعض الحنابلة[51] وأما عند الشافعية والأصح عند الحنابلة فيصح الإسقاط دون التأجيل[52] . وقد ذكر ابن تيمية وابن القيم أن صحة الإسقاط والتأجيل هو الصواب[53] .

 وغرضي من ذلك أن قواعد بيع الدين لم تطبق في هذه الحالات ، وكل ذلك يدل على أن الصلح أو التخارج ليس بيعاً في كل الأحكام ، والشروط ، وأنه مبني على التسامح والتـبرع والمعروف فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره وقد روى أنه عرض على سيدنا علي "رضي الله عنه" موضوع فقال :(هذا حرام ، ولولا أنه صلح لفسخته )[54]. والمقصود أن بعض التصرفات لو لم تصغ على أساس الصلح كانت غير مشروعة ، أو باطلة ، أما مع الصلح فيصح كما في موضوع الديون والنقود ونحوها ، وقد ذكرنا الأحاديث والآثار السابقة التي رواها البخاري وغيره والتي تدل على بعض التصرفات عن طريق الصلح لولاه لما صحت عن طريق غيره كالبيع ونحوه .

 وقد ذكر الفقيه الحنفي أبو جعفر ـ مخالفاً جمهور الحنفية ـ أن التخارج إذا كانت أعيان التركة مجهولة والصلح على المكيل والموزون جائز ، لاحتمال أن لا يكون في التركة من ذلك الجنس ، وإن كان فيها فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك الجنس في التركة أقل مما وقع عليه الصلح فلا يلزم الربا ، واحتمال أن يكون نصيبه من ذلك أكثر أو مثله احتمال الاحتمال ففيه شبهة الشبهة فليست معتبرة ، وقد صحَّح هذا القول الزيلعي وقاضيخان[55] ، وجاء في الفتاوى الهندية : (ولو كان في التركة دراهم ودنانير وبدل الصلح دراهم ودنانير أيضاً صحَّ الصلح كيفما كان ، ولكن يشترط التقابض كذا في الكافي )[56] .

 وذكر المالكية صوراً للتخارج عندما تكون التركة مشتملة على عرض وفضة وذهب وصالح الورثة أحدهم عن إرثه مثل الزوجة ، فإن الصلح جائز في عدة حالات لا يسع المجال لذكرها هنا[57].

 

التخارج عن ديون التركة :

  عندما تكون بعض التركة ديوناً على الناس ، وصالح الورثة أحدهم على أن يخرجوه من الدين بمقابل فقد اختلف الفقهاء :

أولاً : مذهب الحنفية إلى أن الصلح باطل في العين والدين ، لكنهم صححوا بعض صوره ، منها :

أ. أن يشترط الورثة أن يبرئ المتخارج الغرماء من حصته من الدين ، لأنه حينئذٍ يكون إسقاطاً ، أو هو تمليك الدين ممن عليه الدين وهو جائز .

ب. ان يجعل الورثة قضاء نصيب المتخارج من الدين ، ويحيلهم بحصته[58] .

ثانياً : والحنابلة في المشهور عندهم مثل الحنفية في عدم جواز بيع الدين لغير مَنْ عليه الدين ، ولكن يصح إبراء المدين منه ، أو الحوالة به عليه[59] .

ثالثاً : والمالكية أجازوا التخارج والصلح عن الدين الذي على الغير بنفس شروط بيع الدين للغير[60] ، وكذلك الأمر عند الشافعية على المعتمد عندهم[61] .

 

التخارج كحل :

 فقد تطرق الدكتور حسين حامد إلى هذا الحل حيث قال:(يرى بعض الفقهاء انه يجوز تخارج أحد الورثة من التركة في مقابل عوض يؤخذ من التركة أو غيرها،وهذا تصرف في حصة شائعة من مجموع مالي بعوض،ولا فرق بين السهم الذي يمثل حصة شائعة في مجموع مالي يشتمل على الديون والنقود ، وبين التخارج من التركة باتفاق الورثة ،ولم يثر القائلون بجواز التخارج موضوع اشتمال التركة على ديون ونقود ، ونسبة هذه إلى بقية عناصر الشركة من الأعيان والمنافع )[62] .

  ويلاحظ على هذا أن جمهور الفقهاء اشترطوا شروط التقابض في المجلس عندما يكون التخارج عن النقد بنقد ، أو عن الأموال الربوية بأموال ربوية ـ كما سبق ـ وتطرق المالكية إلى حالة اشتمال التركة على عرض وفضة وذهب ، وصالح الورثة أحدهم عن إرثه كزوجة مثلاً مات زوجها فصالحها الابن على حقّها من التركة فإن الصلح جائز في عدة حالات من أهمها : 

أ. إذا أخذت ذهباً أو فضةً من التركة قدر حصتها منهما كصلحها بعشرة دنانير والذهب ثمانون عند الفرع الوارث ، أو أربعون عند عدمه والذهب حاضر وكذلك الحال في الفضة فإن ذلك جائز ، ولا يختلف الحكم إن أخذت أقل من حصتها منهما ، لأنه حينئذٍ يكون الباقي هبة منها للورثة .

ب. إذا أخذت ذهباً من التركة زائداً على حظها ديناراً واحداً فقط كصلحها بأحد عشر ديناراً من الثمانين الحاضرة فيجوز إن كانت التركة من عرض ونقد حاضرة وليست غائبة ، ولا ينظر حينئذٍ إلى الدراهم قلّت أو كثرت ، وتكييف هذه المسألة على أساس أنها أخذت نصيبها من الدنانير ( وهي عشرة ) وباعت لباقي الورثة حظها من الدراهم والعرض بالدنانير الزائدة ، فجميع ما فيه من البيع والصرف دينار واحد وهذا جائز ، لأنه لا يجوز عند المالكية اجتماع البيع والصرف في أكثر من دينار .

ج. إذا أخذت من ذهب التركة اكثر من دينار جاز هذا التخارج إن قلّت الدراهم التي تستحقها عن صرف دينار ، أو قلّت قيمة العروض التي تستحقها عن صرف دينار ، أو قلّت الدراهم والعروض معاً عن صرف دينار .

 هذا إذا كان بدل التخارج من التركة نفسها ، أما لو كان من غيرها وصالحها الورثة في المثال السابق بذهب من غير ذهب التركة ، أو بفضة من غير فضة التركة فلا يجوز هذا الصلح مطلقاً قلّ ما أخذته من نصيبها أو كثُر لأنه ربا[63] .

  والخلاصة أن الفقهاء أثاروا ذلك بالتفصيل ،ولم يغفلوا عن شرط التقابض في المجلس إذا كان الصلح أو التخارج فيه نقد بنقد،أو في الأموال الربوية ، مثل البيع،وكذلك لم يغفلوا عن أحكام الدين من حيث المبدأ عندما يكون التخارج في الديون،كما سبق ذلك بالتفصيل مع بعض الخلاف في بعض التفاصيل .

 

التخارج هل يحل هذه المشكلة ؟

  ومن الجدير بالتنبيه عليه أن عملية التخارج الفقهي ليست حلاً ملزماً يمكن الركون عليه دائماً ، وذلك لأنه تصالح يتّم بين الطرفين لحل النـزاع بين الطرفين ودياً ولا يمكن إجبارهما على القبول ، حيث يبقى حقهما في اللجوء إلى القضاء البيّن إن لم يرتض أحد الطرفين بذلك التخارج ،ولكن عند التراضي يأتي الحل،ـ هذا إذا يجعل ذلك العقد ـ ويأتي السؤال:هل يشترط في التخارج ما يشترط في البيع ؟

  فإذا كان جوابنا عن ذلك بنعم فإن التخارج لم يحقق لنا أيّ حلّ ، وإذا كان جوابنا بغير ذلك فيمكن أن يكون حلاً لهذه الحالة .

  وقد ذكرنا رأي جمهور الفقهاء في أن التخارج في حالة المعاوضة بيع ، وفي حالة كون محل التخارج من النقود صرف ، ومن الأموال الربوية لا بدّ من ملاحظة التقابض وهكذا ، وحينئذٍ عدنا إلى قواعد البيع والشراء ، وعدنا إلي نقطة البداية التي نحن نبحث عنها جميعاً .

  ولكن الحل في نظري هو في رأي بعض الفقهاء الذين خالفوا الجمهور في القواعد السابقة ، مثل ابن عباس "رضي الله عنهما " الذي يظهر مما رواه عنه عبدالرزاق الصنعاني وغيره أنه لا يشترط هذه الشروط ما دام الأمر قائماً على التخارج،لأن مبناه على التراضي والإبراء فقد قال:(لا بأس بأن يتخارج القوم في الشركة بينهم ، فيأخذ بعضهم من الذهب الذي بينهم ، يأخذ هذا عشرة نقداً،ويأخذ هذا عشرين ديناراً )[64] . وفي رواية أخرى قال ابن عباس : ( لا بأس بأن يتخارج أهل الميراث من الدين يخرج بعضهم من بعض )[65] ، وفي رواية أخرى عنه : ( لا بأس أن يتخارج الشريكان فيأخذ هذا ديناً ، وهذا عيناً )[66] .

 وصنيع البخاري يؤيد هذا الرأي ويختاره حيث ترجم البخاري : باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك ، ثم ذكر قول ابن عباس هذا[67] ، وقد قال الحافظ ابن حجر في شرحه للباب ( والمجازفة في ذلك أي عند المعاوضة …. ومراده أن المجازفة في الاعتياض عن الدين جائزة وإن كانت من جنس حقه وأقل ، وأنه لا يتناوله النهي ، إذ لا مقابلة بين الطرفين )[68] .

 وقد ذكرت من خلال العرض السابق عدة أدلة وأقوال كلها تؤيد ما ذهبنا إليه من أن التخارج (الصلح) عقد مستقل ليس تبعاً للبيع ونحوه ، وإن كانت هناك مشاركة في بعض الأحكام وأن التخارج إذا كان حقيقياً وليس للتحايل على الربا وأحكام الصرف والدين جائز دون اشتراط التقابض في المجالس ، أو أحكام بيع الديون إذا توافرت الشروط الأساسية التي ذكرتها في بداية العرض .

  وعلى ضوء ذلك يمكن أن يكون التخارج حلاً مستقلاً آخر لمشكلة مكونات الأسهم من النقود ، أو الديون دون النظر إلى النسبة من حيث القلة والكثرة ، ولا النظر إلى الأصالة والتبعية .

 ولكن التخارج يحتاج إلى تراضي الطرفين في الأخير وإبراء كل واحد منهما ذمة الآخر ، في حين أن اعتبار الأصالة والتبعية لا يحتاج إلى أي إجراء ، وكذلك الحال في مسألة الكثرة والتبعية .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط مادة "خرج "

  2.  المصنف للحافظ أبي بكر عبدالرزاق بن همام الصنعاني ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، نشر المكتب الإسلامي ببيروت ( 8/288 )

  3. لسان العرب ( 2/1126 ) ، وفتح الباري ( 4/465 )

  4.  المصنف ( 8/288 )

  5. لسان العرب ( 2/1126 )

  6.  صحيح البخاري  رواه تعليقاً . ولكن وصله ابن أبي شيبة انظر فتح الباري ( 5/310 )

  7.  لسان العرب ( 2/1126 ) ، انظر فتح الباري ( 5/310 )

  8.  الموسوعة الفقهية الكويتية ( 11/5 )

  9.  يراجع المصنف لعبدالرزاق الصنعاني ( 8/288 ـ 289 )

  10.  صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ كتاب الصلح ( 5/310 )

  11.  فتح الباري ( 5/310 )

  12.  فتح الباري / كتاب الحوالة ( 4/465 )

  13.  صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ ( 5/ 311 )

  14.  فتح الباري ( 5/311 )

  15.  فتح الباري ( 5/309 )

  16.  فتاوى ابن السبكي ط . دار المعرفة بيروت ( 1/340 )

  17.  صحيح البخاري ، كتاب الاستقرا ض ( 5/60 )

  18.  فتح الباري ( 5/60 )

  19.  رواه عبدالرزاق في مصنفه ط . المكتب الإسلامي ( 8/289 ) ويراجع فتح القدير لابن همام ( 7/409 ) ، الإصابة في معرفة الصحابة ( 7/544 )

  20.  موسوعة فقه عبدالله ابن عباس ، للدكتور محمد رواس قلعه جي/ ط . جامعة أم القرى ( 1/270 )

  21.  تبيين الحقايق ( 5/31 ـ 33 ) ،والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ( 3/309 ) ،وشرح الخرشي ( 6/2 ـ 4 ) ، وروضة الطالبين( 4/193 ـ 194 )، والمغني ( 4/531 ، 534 )، وكشاف القناع ( 3/379 ) ، والموسوعة الفقهية  (27/327 ) .

  22.  المغني ( 4/527 )

  23.  الروضة ( 4/194 )

  24.  روضة الطالبين ( 4/194 )

  25.  المقدمات الممهدات لابن رشد ط . دار الغرب الإسلامي ( 2/518 )

  26.  سورة النساء / الآية ( 114 )

  27.  المقدمات الممهدات لابن رشد ط . دار الغرب الإسلامي ( 2/515 ـ 516 )

  28.  صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ ( 5 / 297 ـ 311 )

  29.  المغني ( 4/545 )

  30.  المصدر السابق ( 5/309 )

  31.  صحيح البخاري مع الفتح ( 5/307 )

  32.  يراجع : مبدأ الرضا في العقود ، دراسة مقارنة ، ط . دار البشائر الإسلامية / بيروت ( 2/ 1186 ـ 1196 )

  33.  تبيين الحقايق ( 6/113 ) ، ومواهب الجليل للحطاب ( 5/85 ) ، وروضة الطالبين ( 4/281 ) ، وشرح المنتهى الارادات ( 2/265 ) ، والمغني ط . الرياض الحديثة ( 4/545 ) ، والموسوعة الفقهية ( 27/350 ـ 351 )

  34.  المغني لابن قدامه ط . الرياض الحديثة ( 4/542 ـ 544 )

  35.  قرة عيون الأخبار ( 2/154 ) ، ومجلة الأحكام العدلية المادة ( 1547 )

  36.  الحديث رواه أحمد في مسنده ( 6/320 ) ، وأبو داود في سننه ـ مع عون المعبود كتاب لقضاء ـ ( 9/502 )

  37.  عون المعبود ( 9/305 )

  38.  تهذيب التهذيب لابن حجر ط. دار صادر بيروت ( 1/ 207 )

  39.  نيل الأوطار ( 6/426 )

  40. المنتقى مع شرحه نيل الأوطار ( 6/426 )

  41.  المغني ( 4/543 )

  42.  المغني ( 4/ 543 ـ 544 )

  43.  البحر الرايق ( 7/259 ) ، ومواهب الجليل ( 5/82 ) ، وروضة الطالبين ( 195ـ196)،ونهاية المحتاج(4/374) ، والمغني لابن قدامة ( 4/535 )

  44.  المغني لابن قدامة ( 4/535 )

  45.  روضة الطالبين ( 4/195 ـ 496 ) نهاية المحتاج ( 4/374 )

  46.  الحديث في صحيح البخاري سبق تخريجه

  47.  يراجع : أحكام القرآن للجصاص ط . مصر ( 2/186 ) ، مصنف عبدالرزاق ( 8/7471 ) ، ويراجع بحث الشيخ تقي الدين العثماني المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، العدد السابق ( 2/44 )

  48.  الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ( ص 134 ) ، وأعلام الموقعين ط . السعادة بالقاهرة ( 3/371 )

  49.  أعلام الموقعين ( 3/371 )

  50.  شرح المجلة للأناسي ( 4/564 ) ، والبحر الرائق(7/259) ، ونهاية المحتاج(4/374) ، والروضة(4/195ـ196) ، وشرح منتهى الإرادات ( 2/261 ) ، والموسوعة الفقهية ( 27/333 )

  51.  البحر الرايق ( 7/259 ) ، والتاج والاكليل ( 5/82 ) ، وأعلام الموقعين ( 3/370 ) 

  52.  جاء في الروضة ( 4/196):ولو صالح من ألف حال على خمسمائة مؤجلة فهذا ليس من المعاوضة في شيء،بل هو مسامحة من وجهين:أحدهما:حط خمسمائة،والثاني:وعد لا يلزم فله المطالبة بالباقي في الحال)،ويراجع شرح منتهى الإرادات ( 2/261 )

  53.  أعلام الموقعين ( 3/370 )

  54.  المعيار للونشريسي ط . أوقاف المغرب ( 6/500 )

  55.  الفتاوى الهندية ( 4/268 ) ، والبحر الرائق ( 5/49 ـ 52 )

  56.  الفتاوى الهندية ( 4/268 )

  57.  جواهر الإكليل ( 2/10 ) ، والموسوعة الفقهية ( 11/10 )

  58.  البحر الرايق ( 5/51 )

  59.  المغني ( 4 / 531 ـ 532 ) حيث ذكر أن بعض الأصحاب أجازوا ذلك .

  60.  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 3/316 )

  61.  روضة الطالبين ( 4/ 195 ـ 197 )

  62.  بحثه السابق : مكونات الأسهم واثرها على تداولها ( ص 37 )

  63.  الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ( 3/315 ـ316 )

  64.  المصنف ( 8/288 ) وروى مثله سعيد بن منصور ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى ( 6/65 )

  65.  المصنف ( 8/289 )

  66.  صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ حيث رواه معلقاً ، ولكن قال الحافظ أن قول ابن عباس هذا وصله ابن أبي شيبة في مصنفه ( 5/310 )

  67.  المصدر السابق نفسه

  68.  فتح الباري ( 5/311 )

    اعلى الصفحة

 

احصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم280
mod_vvisit_counterالامس1955
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع9418
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي 12862
mod_vvisit_counter هذا الشهر41227
mod_vvisit_counter الشهر الماضي52820
mod_vvisit_counterالكل1426169

الخطب

خطب 2010
خطب 2011
خطب 2010
خطب 2009
خطب 2008
خطب 2007

تحميل ملفات